أدب وفنون

” شيخ برق” الإنسان أغلى رأس مال في الوجود

كنت طفلاً في كتَّاب “شيخ برق”، في باب السباع (حمص) عام 1948، بعد الاستقلال بعامين، أتعلم قراءة القرآن والحساب.

تعود تسمية الكتَّاب “شيخ” إلى صاحبه رحمه الله، و”البرق” لوجود عمودٍ صخري أصفر بطول مترين عند مدخل قاعة الكتاب الكبيرة، ذات القنطرة الحجرية في منتصفها، وكان بعض أبناء الحي والغرباء، يسندون ظهورهم إلى ذاك العمود؛ طلبًا للشفاء من آلام الظهر.

وشيخ برق -اليوم- مسجدٌ، مازال عموده منتصبًا يحرسه عند مدخله، لكنه فقد زبنه. كان في الحي -في تلك الأيام- بضع دكاكين، لها أبوابٌ بمصراعين من خشب الجوز، وأكبر رأس مال كل منها لا يتعدى المئة ليرة سورية، كان يخطب بنا شيخ الكتاب، رحمه الله:

– يا أبنائي: كم رأس مال “الدكنجي”؟ فنجيبه بصوت واحد:

– مئة ليرة يا شيخ. وأحيانًا نهمس:

– لا نعرف. فيضحك ملء قلبه، ويتابع:

– أنتم يا أبنائي رأس مال سورية، لقد أصبح لدينا دولة وعلمٌ ونشيدٌ وحكومة ٌووطن، الإنسان يا أبنائي أغلى رأسمال في الوجود.

عادت بي الذاكرة إلى ذاك الكتَّاب، وإلى ذاك الشيخ الجليل الذي كانت أسعد أيامه عندما “يختم” أحدنا القرآن، ويتقن الحساب على يديه؛ فيربت على كتفه قائلًا:

– أصبحتَ -يا ولدي- رجلًا، ودخلتَ في عداد رأس مال سورية.

فيجلس الطفل الذي ختم القرآن على كرسي من خشب صفصاف العاصي، ونذهب به محمولًا في زفة عرسٍ إلى بيت أهله، وكلما مررنا أمام دكانٍ وجمع ٍمن الرجال، يتقدم أكبرهم سنًا، ويفتح أوراق القرآن، ويشير بيده إلى آية آمرًا:

– اقرأ.

– بعد انتهاء قراءة عددٍ من آيات الذكر الحكيم، يتقدم منا “الدكنجي”، ويوزع علينا “القضامة السكرية”، يتقدم الصفوف شيخ برق كقائد معركة اليرموك أو حطين أوالعلمين.

عادت ذكريات الطفولة، وكتاب شيخ برق المعششة في رأسي تنهش فيه، وتسبب لي الصداع بعد تشرد نصف الشعب السوري بين مهاجر ونازح وشهيد ومعتقل… ونُشِروا على حبال دول العالم مثل غسيل “النور والقرباط”، فقد هاجر شبابٌ مهرة، وحملة شهادات علمية، ومبدعون، وضباط منشقون.

بدأ يظهر لي شيخ برق بلحمه وعظمه، وبلحيته البيضاء، وبعينين تقدحان نارًا، صارخًا، كما كان يفعل حينما يخطئ أحدنا في القراءة، أوفي الحساب، ثم يجلس باكيًا منتحبًا:

– يا أبناء الزناة… مَنْ أضاعَ أغلى رأس مال سورية؟

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق