هموم ثقافية

الأصولي الذي اغتال فرج فودة قتل في سورية

ما يجري في العالم العربي والإسلامي اليوم ابتعاد عن التمثل الإيجابي للدين، والعودة إلى التكثيف التاريخي السلبي، والصراع بين فرقاء يحملون رؤى متباينة للفرد والمجتمع والدولة، ينسبونها إلى الدين، ويتنافسون على السلطة، حد الحرب، لفرضها على المجتمع، في زمن التقدم الرقمي والتطور العلمي والتقني. وهو ليس إلاّ نكوصًا واضح المعالم، يتصف بالوحشية والعدوانية والإقصائية تجاه الآخر، والتناحر الطائفي والتشدد والتطرف والتكفير.

إنه لخطر كبير على الدين، كونه أحد المكونات الثقافية على مر التاريخ، وعلى استقرار المجتمعات وحياة الأفراد، وتبديد لرسالته الأخلاقية: (من قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا). خطر على الحياة الإنسانية، أن يتحول الدين إلى منظومات فقهية متخالفة ومتناقضة، تتلاعب بالمقدس، تبعًا للأهواء السياسية والمصالح الخاصة، وتبث الحقد والكراهية، وتدعو إلى قتل المختلف والمخالف، بغير حق أو فساد في الأرض. إنه لخطر أن يتنطع مسلمون لهداية مسلمين، ومؤمنين من غير المسلمين. خطر أن يصير “رجل الدين” أو “الداعية” مشرِّعًا وقاضيًا وجلادًا.

“الوفد والمستقبل”، “قبل السقوط”، “النذير”، “زواج المتعة”، مؤلفات لعلم من أعلام الفكر العربي خاض فيها صاحبها معارك فكرية، دفاعًا عن مبادئ الدولة الوطنية وقيم المواطنة وحقوق الإنسان، دفاعًا عن الدين، لأجل الدين فحسب، وفصله عن السياسة والحكم، ودفاعًا عن الحريات الشخصية وحرية التفكير والتعبير، فكانت النتيجة مهاجمته والتشهير به وتكفيره ممن يُفترض أنهم علماء، وعلى رأسهم علماء الأزهر، ثم اغتياله عام 1992، على يد متشددين من أبناء جلدته، مناهضين للعلم والمعرفة، الدكتور “فرج فودة” ضحية أفكاره وإصلاحه الديني وانفتاحه على العالم المتمدن، وحلمه بمجتمع ودولة علمانية تضمن للفرد حق العيش بحرية وكرامة.

قبل اغتياله بأسبوع واحد، دعي “فودة” إلى مناظرة أقامها معرض الكتاب بعنوان “مصر بين الدولة المدنية والدولة الدينية” كان مقابله فيها الدكتور “محمد الغزالي”، وشخصيات أخرى بارزة في مصر، وقد سبقت المناظرة حملة إعلامية تستنكر أفكار “فودة” وتكفره، بعد أن أصدر علماء الأزهر بيانًا بتكفيره ووجوب قتله.

ما تعرض له الدكتور “فرج فودة” بعد محاججتة الرصينة والمدعمة بالأدلة والبراهين العقلية والنقلية، حول قضايا فقهية مختلف عليها بين السنة والشيعة، أودت بحياته، حين علم المتشددون بإنجاز الكتاب، وهذه من أبرز الهجمات التكفيرية والإرهابية على الفكر في القرن العشرين.

“زواج المتعة” الكتاب الذي نُشر بعد مقتل صاحبه، وبتشجيع من أصدقاء الكاتب ومؤيدي الكتاب، يضع القارئ من بدايته حتى نهايته في جو من التفكير والتحليل والعرض المنصف لآراء المختلفين، ويبين أنهم على توافق خفي وتناحر ظاهري.

رأى “فرج فودة” في حواريته بين السنة والشيعة، الشبيهة بحوارية أفلاطون في الأسلوب والمخالفة في المعنى، أن الخصام بينهما على موضوع الإمامة فحسب، واختلاط الدين بالسياسة، وهو أكثر الوجوه خطرًا على المجتمعات، لكن الفكر الديني متطابق، ولكلٍ حجته المقنعة. والكتاب بمجمله محاولة فكرية للكشف عن هشاشة المنهج الفقهي في التفكير، وموضوع بحثي للمناقشة، والتجديد والانفتاح على الآخر المختلف، والحوار معه، بتوافق واختلاف في الرأي، أي: الابتعاد عن التفكير أحادي الجانب (من ليس معنا فهو ضدنا).

خرج “فودة” من نطاق المذهب الضيق، حول ما الحلال وما الحرام، إلى العقل المكِّون المستند إلى البحث والتدقيق، في ما الحق وما الباطل، وهذا يُضمر الاحتكام إلى القانون المدني الصريح الذي ينص على الشراكة في الزواج، لا النكاح أو المتعة، وهو دعوة للخروج من القوانين الخاصة بالأحوال الشخصية المستمدة من الشريعة الإسلامية، وإلغاء المحاكم المذهبية والروحية التي ترعى كل منها أبناء طائفة معينة، في حقل الأحوال الشخصية، وتختلف موادها بصورة كبيرة، من طائفة إلى أخرى، وذلك في ما يخص الزواج والإرث والوصاية على المرأة من الأب أو الأخ أو الزوج، وفي حالات كثيرة الوصاية من الابن الذكر في حال غياب الأب “الزوج”، فالشريعة لم تقتصر على الشرع الإسلامي فحسب، بل أصبحت سلطة تشريعية تبت في قوانين الزواج والطلاق، أي: ارتبطت ارتباطًا وثيقًا بالسلطة السياسية، وهذا ما شغل المفكر “فودة”، ونهى عنه في جميع مؤلفاته، وبحسب رأي المفكر الإسلامي الدكتور “رضوان السيد” في كتابه “الصراع على الإسلام”: “عندنا اليوم أزمة مشروعية في السلطة السياسية، والسبب هو تغيير مقولة الدين والدولة، فالأصولية الإسلامية ترى أن الدين في خطر، ولذلك تريد حمايته بسلطان الدولة، عن طريق الوصول إلى السلطة وتطبيق الشريعة”.

كتاب “زواج المتعة” كان مشروعًا إصلاحيًا للدين والسياسة معًا، لا بما تحتويه الأحاديث الدينية من تناقضات، يستند إليها كل طرف في توثيق حجته فحسب، إنما هو فتح باب كان ولا يزال موصدًا للنقاش والمحاججة في الحوار، بين جميع الأطراف المتناحرة أو المختلفة، وإلى نظرية النقد التاريخي وإتقانها من حيث كيفية النقد في مسار عقلاني وأخلاقي. ما أراده “فرج فودة” في كتابه هذا هو فصل الدين عن السياسة، “فما لله لله، وما لقيصر لقيصر”؛ لكي ترقى المجتمعات في إنسانيتها، وانفتاحها على النور، بدلًا من الرؤى المعتمة.

أراد فرج فودة في كتاب “زواج المتعة” أن يشير إلى أن أحد أسباب الخلاف بين المذاهب هو الابتعاد عن القرآن الكريم، وتأويل آياته البينات، وفقًا لأحاديث موضوعة، لا وفقًا للعقل والتفكير الحر؛ فمن يحرمون زواج المتعة ومن يحلِّونه، يستند كل منهم إلى أحاديث تؤيد وجهة نظره، بعضهم يقول إن آية المتعة الواردة في القرآن الكريم منسوخة، وبعضهم الآخر يقولون العكس، استنادًا إلى أحاديث تدعم حجج هؤلاء وأولئك. إن زواج المتعة ليس إلاّ امتهانًا للمرأة وانتقاصًا من قيمتها الإنسانية، وهو بغاء مفتيّ به ممن يحلونه، يبدأ بساعات قليلة من الزمن، إن شاء الرجل أعتقها وإن لم يشأ أبقاها إلى حيث يشاء. نساء زواج المتعة جاريات معاصرات في زمن التحرر والحرية.

قال فرج فودة: “لست داعية لزواج المتعة، ولست موافقًا عليه، ولست قابلًا به لبنات أسرتي وبنات المسلمين، ولست أدَّعي الفقه والتبحر في العلم، فما أنا إلاّ مسلم يجتهد في دينه لدينه”. هذا ما جاء في مقدمته لكتابه “زواج المتعة” الذي اعترف به الأزهر، بحسب ما جاء على لسان “فودة”

الجدير بالذكر أن “أبو العلا عبد ربه” أحد المشاركين في الاغتيال، ومن مزودي قتلة “فودة” بالسلاح، وهو أحد القادة في تنظيم الدولة الإسلامية المتشدد، سجن في القاهرة مدة 25 عامًا، ثم أفرج عنه الرئيس السابق، محمد مرسي، وجاء إلى سورية مجاهدًا، وقُتل فيها بغارة جوية، شنها طيران النظام الأسدي على معاقل التنظيم أوائل نيسان/ أبريل من هذا العام.

مقالات ذات صلة

إغلاق