أدب وفنون

النطواط

ولد في عائلة شبه رياضية، شبه متفتحة، شبه تجارية، شبه مثقفة، شبه مدنية، شبه ريفية… لكنها تتقن رياضة القفز في الهواء مسافات مثيرة، دون تأهيل وتدريب، وإنما -هكذا- بالفطرة.. وفي عصر سباق محموم في كل شيء؛ السرعة أبرز سماته.

سرعة في الأكل واللبس، ونوعية الأكل، والهندام. وسرعة في الاطلاع المسطّح على كل شيء، والتسوّق، والبحث عن الأرخص وأماكن وفرص التنزيلات، وسرعة في اقتناص الفرص المتاحة. أو التي يتوهمون أنها فرص اللقطة.

كانوا يخشون السياسة. يمجّونها، ويحاولون الابتعاد عنها، ويؤمنون بالمقولة الذهبية: امش بجانب الحائط وقل يا ستار استر، والسياسة كذب وتجارة، وألاعيب وشطارة. وكان الوالد، ومعه الزوجة يرددان معزوفة حفظها الأطفال عن ظهر قلب: اليد التي لا تقدر عليها بوسها وادع عليها بالكسر، و “لا تنظر لفوق فتنكسر رقبتك”، وحين حضور “مقام” مهم، يعدّونه هم كذلك، كانت جملة “العين لا تعلو على الحاجب” تتردد بلا كلل ولا ملل، مع أكوام من كلام التبجيل والنفاق.

لكنهم -ومن حيث لا يدرون- وجدوا أنفسهم غاطسين في أجواء سياسية، ثم مرغمين عليها، ثم فاعلين فيها، فصار الأب يردد مقولته الشائعة: التجارة شطارة، والشطارة أن تعرف السوق وكيف تبيع وتشتري، وكيف تتصرف مع أصحاب النعمة، وكيف تدخل شرايينهم دون أن تمنحهم نقطة من دمك.

– وباختصار، باتت عائلة النطواط من أشهر العائلات المالية والسياسية، والنافذة…

– كان شامل النطواط -الابن البكر- يحمل كثيرًا من جينات تلك العائلة منذ الطفولة، ويملك نهمًا وطموحًا لا حدود لهما، وقدرات خارقة على التلوّن وجمع المواقف المتناقضة، والمصالح المتعارضة؛ الأخلاقية منها وجميعها. لكن مشكلته أنه كان يعاني عرجًا في قدمه اليسرى، نتيجة شلل في الطفولة، ترك أثره البيّن بشيء من عرج… فرض عليه بذل جهد ضخم لإخفائه وتجاوزه.

عرج القدم اليسرى كان يمنعه مثلًا من القفز في الهواء المسافة التي يطمح إليها، ويعتقد أنه قادر عليها؛ حتى أنه كان يرسم دوائر ومربعات وأشكالًا مختلفة لنوعية قفزاته. وقد راح يدرّب نفسه بقسوة على أنواع جديدة من القفز والبرم والفتل، حتى الدوخة والتدويخ، فأتقن كثيرًا من الحركات التي يمكن القول إنها من إبداعه، وماركة خاصة به، منها مثلًا: ان ينتقل في القفزة الواحدة من موقع في اليمين إلى اليسار انتقالًا حادًا ولافتًا؛ وكأنه يطير في الهواء، أو الجمع بين موقعين متناقضين؛ مرتفع ومنخفض في آن. وكانت إعاقته تساعده في ذلك، فيردد داخله: سبحان الله! كل ذي عاهة جبار! ويمكن الإقرار أن شامل النطواط  كان جبارًا بالفعل، وقفّازًا من نوع أسطوري؛ إذ يمكنك أن تجده في أكثر من مكان مختلف، وبين أناس لا يجمعهم سواه، حتى أن بعضهم قال وأقسم إنه رآه في مكانين بآن! وبعضهم أطلق العنان لتصورات عن أنه مسكون، وأن في تركيبته أسرارًا، لا يعلمها إلا الله، وربما يكون قد آخى أكثر من جني وجنية!!

– كان يشمئز من السياسة وأهلها، ويعدّها نفاقًا، ومناورات، وكذبًا، ومصالح، وصراعات على الكراسي، لكنه يمارسها بتلاوينها كلها، ومع أطرافها المختلفة، ولا سيما مع أوساط الحاكمين وضباط الأمن والنافذين… وحين صار عضوًا في مجلس الشعب لم تتغير نظرته، لكنه بات يحتفظ بها داخله كسرّ من أسراره الخاصة.

– في زمن انتشار اللحية الأنيقة -في زمن الفارس الفقيد- اشتهر بلحيته الجميلة، ثم حوّلها إلى “غيفارية” بعد أن أعجبته بعض النساء المحسوبات على اليسار، وبعض الجمل التي صار يرددها عنوانًا، يدل على أنه مثقف من طراز خاص، وأنه التهم ملايين الكتب منذ نعومة أظفاره، وقرأ مجلدات ماركس، ومؤلفات لينين، وغيرهما؛ وهو ما يزال يافعًا، ووضع ملاحظات عميقة عليها، واستنتاجات في الصميم، لدرجة أنه لما سقط الاتحاد السوفياتي وبقية الدول المتحالفة والتابعة له، لم يتفاجأ؛ لأنه “تنبّأ” بذلك منذ زمن! وأقسم أنه تحدّث عن السقوط المحتّم، بل وأعطى زمنًا قريبًا، وأنه كتب عن ذلك دراسات شتى (لا أحد يعرف أين نشرت).

الشيء المهم أنه بدأ ينحو منحى دينيًا، وباتت اللحية هذه المرة ملتصقة بموضوعها، وليست مجرد زيّ، أو زينة. أخذ يدّرب نفسه على وضع مسافة بينه وبين صحبه في النظام، بالتمرين على قفزات عكسية يمارسها إلى الوراء! وكان هذا الإنجاز عبقريًا بالفعل؛ إذ تمكّن، من دون النظر إلى الأمام، أن يحقق دورة كاملة بقفزة واحدة.

– لكنه ملّ التكرار، والسكينة، والمألوف، فعاد إلى قفزات باتجاه اليسار، وجدها أكثر مرونة، وتمنحه بحبوحة من الحرية، وبخاصة إذا ما طعّمت بتلك الجمل المثقفة، عن الديمقراطية، والعلمانية، وحقوق الإنسان والليبرالية، وكل الكلمات الليتوانية، والهيامونية!

اليوم، يعدّ شامل النطواط أحد أهم منظري الثورة وفرسانها، إذ تجده في كل موقع، وخندق، وتشكيل، ومؤتمر، وحزب، ومبادرة… وهو عضو نشط، لا يبخل بماله وخبراته المهمة، ولا بـ “يساريته ويمينيته” في تقديم الرؤى والبرامج، وأسلوب القفز الصحيح في المكان الصحيح.

مقالات ذات صلة

إغلاق