قضايا المجتمع

“الانتكاس”… تداعيات الحرب على الشباب السوري

التقيت بمئات من الشبان المدمنين على عدة أنواع من المخدرات، وكانت أسباب إدمانهم قاهرة إلى حد فظيع؛ أولها أن معظمهم شهد موت زملاء وأصدقاء له في الحرب القذرة، وشاهد المئات من أقرانه وقد تحولوا إلى أوراق نعي (الشهيد البطل)! وبعضهم أدمن على المخدرات؛ لأنه مذعور من أن يساق مكرهًا إلى “الخدمة العسكرية” أو الاحتياط، فلا يغادر البيت مطلقًا، ولا يجرؤ على أن يجلس في مقهى رصيف؛ كي لا تقبض عليه قوات أمن النظام، وبعضهم أدمن؛ لأنه لم يُوفق في الهروب من سورية، بلد القتل والدمار اليومي. إضافة إلى عوامل أخرى، كالبطالة والفقر وانعدام فرص العمل والانهيار الاقتصادي.

المشكلة الحقيقية أن الناس –عامةً– تنظر إلى هؤلاء الشباب، ضحايا الإدمان، بعدّهم منحرفين ومجرمين، وتحسَب أن لا علاج لهم سوى السجن والضرب، وهذا ما يحصل في الواقع، ففي اللاذقية -مثلًا- لا مركز لعلاج الشباب المدمن، ولا برنامج لعلاج يخلص هؤلاء تدرّجًا من السمّ الذي يتناولونه؛ لينسوا همومهم وأزماتهم النفسية، وإنما يكون السجن -عادة- في انتظارهم، ويقضون أيامًا مُرعبة في قسم الأمن الجنائي، إذ يتعرضون لضرب مبرح ووحشي بقضبان، يسمونها قضبان السيليكون، وهي أشد أذى بكثير من العصي؛ إذ تفلع الجلد والعضلات تحته، وبعد ذلك يُحشرون في غرفة ضيقة تضم أكثر من ثلاثين سجينًا، ينام معظمهم على بساط مهترئ، ويكون طعامهم (برغل ممزوج بالحصى)، كما وصفه لي كثير من السجناء، والأهم أن المخدرات منتشرة بكثافة ويُسر في السجن؛ إذ تكفي نقود قليلة تُعطى للسجان؛ ليجلب للسجين ما يريده، وخاصة المخدرات.

إذا امتلك أهل السجين المال ودفعوا للمحامي والنائب العام والقاضي، يفرج عن ابنهم في أقل زمن ممكن، أو -وهو الأدهى- تُحوّل قضية الابن المُتهم بالإتجار بالمخدرات إلى تعاطٍ فحسب، وعقوبة الإتجار بالمخدرات 15 سنة، في الأقل، أما المتعاطي فلا تزيد عقوبته عن شهر، وربما أقل.

المشكلة الحقيقية تبدأ بعد خروج المتعاطي من السجن، إذ إنه يعتقد (كي يصون ما تبقى من كرامته ونظرة المجتمع إليه باحتقار كما لو أنه وباء) أن بإمكانه وبإرادته –التي يعتقد أنها قوية– الإقلاع عن تعاطي المخدرات، ويرفض أن يقصد طبيبًا نفسانيًا، ولا تمر أيام حتى ينهار ويستميت للحصول على المادة المخدرة، وبجرعة أعلى بكثير من الجرعة التي اعتاد عليها، هذا ما يُسمى في الطب النفسي بظاهرة “الانتكاس”، وليس غريبًا على أحد ملاحظة أن المدمنين على المخدرات يدخلون ويخرجون من السجن مرارًا؛ لأنهم في واقع الأمر لا يُعالجون وهم مرضى، بل ينظر إليهم المجتمع منحرفين وخطرين، ولا أحد يتساءل ما الأسباب التي دفعت هؤلاء المساكين إلى التعاطي.

وأعرف من شهادات زملائي الأطباء النفسانيين الذين عملوا في أهم مستشفى للطب النفسي في دمشق، مستشفى ابن النفيس، أن معظم المتعاطين للمخدرات أو المصابين بأمراض نفسية عديدة يتعرضون للضرب المبرح أو للصدمات الكهربائية.

لا توجد في سورية مراكز علاجية تعتمد على العلم ومعالجة الأسباب النفسية التي أدت إلى الإدمان.  في مصر ثمة مراكز مهمة راجعها آلاف الشبان والشابات، المدمنين وخضعوا لعلاج وانتهوا إلى شفاء. لكن في سورية (وأخص اللاذقية) لا يوجد فيها أي مركز لعلاج المدمنين؛ إذ يتخبطون مرارًا في ظاهرة الانتكاس؛ ولأنهم مرضى لا يملكون الوسائل ولا الفهم ولا المعرفة لعلاج أنفسهم، بل يتوهمون أنّ بإرادتهم يمكنهم الإقلاع عن المخدرات، وهذا لم يتحقق -قط- للأسف؛ لأن جهازهم العصبي اعتاد على جرعات معينه متزايدة من المواد المخدرة، حتى أن بعض المدمنين اكتشفوا أدوية يسبب تناولها بجرعات كبيرة نشوة، وقد اعترف لي بعض الزملاء الصيادلة أنهم أنفسهم لا يعرفون أن تلك الأدوية تؤدي إلى النشوة حين يتناولها المدمن بجرعة عالية (مثل بعض المضادات الحيوية لعلاج التهاب المجاري البولية)، والأدوية المضادة للسعال (دواء سيمو) الذي كانت تستورده السعودية من سورية، ثم منعت استيراده؛ لأن تناول عدة زجاجات منه يسبب النشوة.

الظاهرة الخطِرة أيضًا، واعترف بها كثير من المدمنين على المخدرات، أنهم تعلموا تعاطي المخدرات من بعض الأفلام السينمائية! وبدلًا من أن يكون للفن دورٌ في محاربة المخدرات، فإنه يعلم الشباب أدق تفاصيل تعاطي المخدر.

أخيرًا؛ يجب على السلطات المختصة، وكل مؤسسات “الدولة” أن تعي خطورة تنامي ظاهرة الإدمان على المخدرات عند الشباب؛ لأن هؤلاء هم المستقبل، وهم من سيبني الأوطان. ويجب أن تخصص – وتكون الأولوية – في الدولة ومؤسساتها لإنشاء مراكز لعلاج المدمنين على المخدرات. والأهم معالجة أسباب الإدمان، وتعزيز حب الحياة والأمل عند هؤلاء الشباب الذين تحاصرهم ثقافة الموت وتمجيده. ويُتلاعب بعقولهم. اتركوا هؤلاء الشباب يحبون الحياة. يحبون ما فُطرت عليه النفس البشرية كما خلقها الله: حب الحياة وتأمين عيش كريم لهم.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق