مقالات الرأي

أي مشروع للجهاديين؟

السؤال الذي يطرحه التاريخ على أي حركة أو منظمة أو حزب هو: ما مشروعها؟، وبقدر ما يكون المشروع متطابقًا مع حاجات الناس في مكان وزمان محددين، وواعيًا بالمشكلات التي تحيط بعصره، يكون ذلك المشروع قادرًا على الحياة والمواجهة، وقادرًا على اكتساب شرعية وجوده، وعلى الدوام، يكون أصحاب المشروع مطالبين بالقيام بمراجعات لتجربتهم، بغرض تقويمها، خصوصًا إذا ما اصطدم المشروع بتحديات كبيرة، يمكن أن تلقيه خارج التاريخ نفسه، وتجعل من أصحابه منبوذين، ومستهدفين من الدول والأمم، على حد سواء.

ويحدثنا التاريخ البعيد منه والقريب عن خروج كثير من المشروعات السياسية من الوجود، نظرًا لعجز القائمين على تلك المشروعات عن الاستفادة من الأخطاء التي وقعوا فيها، وغياب الاستجابة المطلوبة لضرورة المراجعة الفكرية، ومن دونها يواجه الفكر خطر الانكماش، وتاليًا الموت، ويتحول الفكر نفسه إلى عقبة أمام التاريخ نفسه، وكارثة على من يحملونه ويدافعون عنه، بل وكارثة على المجتمعات التي يعيش فيها.

لقد تبنى كثير من الحركات الإسلامية الجهاد سبيلًا إلى تغيير الواقع الذي تعيش فيه، انطلاقًا من “يوتوبيا” حلم استعادة الخلافة الإسلامية، وتحكيم “شرع الله” في الأرض، وهي في هذا المسعى صنّفت النظم السياسية في خانة الكفر، سواءً النظم السياسية في بلدانها، أو النظم السياسية الغربية، ومنحت نفسها -من ثم؛ حق امتلاك الحقيقة المطلقة، ما يمنحها الحق القيام باستخدام العنف لتغيير نظم الحكم، والتنطح لعملية كونية، هدفها تغيير النظام الدولي نفسه.

وما يميز الجهاديين عن باقي حركات الإسلام السياسي أن مشروع الدولة لديهم مشروع مفتوح جغرافيًا، ومن ثم؛ فإن تقويض الدول القائمة يغدو جزءًا أصيلًا من عملهم، فالدول القائمة -من وجهة نظرهم- هي حواجز أوجدها الغرب والحكام المستبدون؛ لتفصل بين المسلمين، وأن دولة المسلمين المنشودة يجب أن تمتد إلى كل مكان يوجد فيه المسلمون، وهو الأمر الذي يتطلب أن يكون الجهاد عملًا مستمرًا، لا ينقطع إلا بتحقيق دولة الإسلام التي تشمل كل المسلمين.

من وجهة نظر السياسة، التي هي عمل قائم على الممكن والنسبي، فإن المشروع الجهادي لا يبدو مشروعًا سياسيًا، لكن الجهاديين لا يعترفون بالسياسة بمعناها الحديث، كما لا يعترفون بالممكن والنسبي في إطار العمل السياسي، ويعدّون التفكير السياسي الحديث، وما ينتج عنه من منظومات سياسية وقانونية، تفكيرًا معاديًا للمشروع الإسلامي، بل يعدّونه أحد أسباب إضعاف الروح الإسلامية؛ لذا، فإن رفض الأشكال السياسية السلمية هو الطريق الوحيد الذي يبقي مشروعهم حيًا، بل وقابلًا لاستقطاب مزيد من الشباب للانخراط في المشروع.

ومن المعروف أن كل الحركات السياسية تستفيد من الغضب والنقمة اللذين يعتريان بعض الفئات الشعبية، مستثمرة تضرّر تلك الفئات من السياسات العامة، وتحاول تبني خطاب سياسي جاذب لتلك الفئات، يدافع عن مصالحها، في محاولة لاكتساب مشروعية سياسية، ودعم شعبي في صناديق الاقتراع، وتوسعة مكاسبها في السوق السياسية، إلا أن هذه العلاقة تتم وفقًا لعلاقة تبادلية، أقله من زاوية شكلية، تخدم مصالح الحركات السياسية من جهة، ومصالح الفئات الغاضبة من جهة أخرى، فبقدر ما تدعم الفئات المتضررة حركة سياسية ما وتحسن وجودها السياسي، بقدر ما تتمكن تلك الحركة من تحقيق مكاسب مباشرة وملموسة لتلك الفئات.

لكن، تلك الحال التبادلية، بين الحركات السياسية والفئات المتضررة، والراغبة في التغيير، تبدو معدومة لدى الحركات الجهادية، فالحركات الجهادية لا تقدّم برنامجًا سياسيًا واقتصاديًا يخدم الفئات المهمشة، أو الطامحة للتغيير، وإنما تستثمر من طرف واحد، فهدفها جعل الشباب المهمش أو الغاضب وقودًا في مشروعها، حتى لو لم يكن لذلك المشروع أفق زمني محدد، أو أهداف سياسية واقتصادية محددة.

إن الوطنية، بمعناها الحديث، والمرتبط بالحدود الجغرافية لكل دولة من الدول، وتجعل من العمل السياسي مرتبطًا بهوية محددة على المستوى الوطني، وبمساحة محددة للعمل السياسي، لا وجود لها في قاموس الجهاديين، فهم جاهزون دومًا للانتقال من بلد إلى آخر، بحسب ما توفره الأوضاع المتاحة في كل مرحلة زمنية، وهو ما جعل من إمكانية استخدامهم في الصراعات الدولية أمرًا ممكنًا، وهو الأمر الذي حدث ويحدث في كل الصراعات التي زجّ فيها الجهاديون أنفسهم؛ ما يجعل السؤال حول ماهية مشروعهم نفسه محط تساؤل وشك.

وإذا كانت كلّ المعاني والأهداف المرتبطة بالمشروعات الفكرية والسياسية المعاصرة غائبة عن “المشروع الجهادي”، فإن هذا المشروع -بهذا المعنى- لا ينتمي إلى العصر الحديث، ولا إلى التاريخ المعاصر، وإنما هو شكل من اشكال الارتداد العبثي نحو الماضي، وسيظل ينتقل من فشل إلى آخر، لكنه مع كل فشل جديد سيدمّر في طريقه دولًا ومجتمعات، وكأنما به ينتقم من فشل هذه المجتمعات والدول من دخول العصر، وبناء الدولة الوطنية الحديثة، القائمة على المواطنة، وفشل النظام الدولي من تبني سياسات أكثر عدلًا على المستوى العالمي.

مقالات ذات صلة

إغلاق