مقالات الرأي

هل نرفض الضربة لأنها جاءت من أميركا فحسب؟

كيف تؤيد الضربة وقد جاءت من أميركا، أعتى إمبريالية في العالم، وأنت اليساري الماركسي المعروف؟

وُجه السؤال إلي، ورأيت الإجابة عنه في مقال يقرؤه الجميع.

نعم! الولايات المتحدة الأميركية أعتى إمبريالية في العالم. تحاول فرض هيمنتها على جميع الدول، سواء بالقوة العسكرية أو بالقوة الاقتصادية، وتعمل لدعم نشاطها الإمبريالي بقوة إعلامها الذي تسيطر على معظم مؤسساته الشركات العملاقة متعددة النشاط ومتعدية الجنسيات. وهي في تدخلاتها العسكرية المختلفة، ومنها الضربة الصاروخية التي وجهتها لمطار الشعيرات السوري، تبحث عن مصالحها الحيوية دولة عظمى بالدرجة الأولى.

غير أن الاكتفاء بالقول إن تدخل هذه الدولة العظمى عائد إلى مصالحها لا يحل المشكلة. أميركا تبحث عن مصالحها، لا شك في ذلك. ولكن من يحدد تلك المصالح؟ هل الرئيس أم الكونغرس أم وزارة الدفاع أم أجهزة الاستخبارات أم…؟ ما الآليات المستخدمة في اتخاذ القرارات الحاسمة من نوع التدخل العسكري في منطقة ما؟

علينا أن ننتبه إلى أن جميع أصحاب القرار في الولايات المتحدة يهتمون، إلى هذا الحد أو ذاك، بالرأي العام الأميركي. ففي نهاية المطاف، يعود تكوين جميع المؤسسات في بلد ينتهج نظامًا ديمقراطيًا للناخبين. والناخبون تؤثر فيهم، بالطبع، وسائل الإعلام التي أشرنا إلى خضوع معظمها لمصالح الشركات الكبرى. لكن هناك، في المؤسسات الثقافية والإعلامية الأميركية، من يؤمن بـ”القيم الأميركية”، بالديمقراطية وحقوق الإنسان وغيرها، مما تنشغل فيه تلك المؤسسات، في الأقل، عند الحديث عن الدول والجهات التي تتعارض سياساتها مع المصالح الأميركية.

استنادًا إلى نتائج مسح أجراه مجلس شيكاغو للشؤون الأمنية عام 2015، تبين أن أكثرية الجمهور الأميركي تعارض معظم احتمالات استخدام الولايات المتحدة القوة، مع استثناءين رئيسين: التدخل الإنساني (بما في ذلك إيقاف الإبادة الجماعية)، ومنع إيران من تطوير سلاح نووي؛ ففي الإجابة عن سؤال: ما الحالات التي تسوغ إرسال قوات أميركية إلى الخارج؟ أجاب 70 في المئة من المستطلعة آراؤهم: “حالات الإبادة الجماعية، والتعامل مع الحالات الإنسانية”، وأقل من ذلك بقليل كانت نسبة الإجابات الخاصة بـ”منع إيران من التسلح النووي”. أما خيارات من نوع “هجوم كوريا الشمالية على الجنوبية، أو حتى تعرض إسرائيل للخطر، أو غزو روسيا لدولة عضو في حلف الناتو” فلم تحظ سوى ما بين 40 و48 في المئة. وحظيت خيارات مثل: “غزو الصين لليابان أو لتايوان، وغزو روسيا لأجزاء أخرى من أوكرانيا” بموافقة 30 في المئة أو أقل من مجموع المستجيبين.

“الحالات الإنسانية” قد تصل إلى حد يجبر السلطات الأميركية على التدخل، وإلا ربما يفقد الجيش الأميركي شرعيته “كراعٍ للديمقراطية في العالم”. إن مجزرة كبرى تؤثر في الرأي العام تأثيرًا كبيرًا، كتلك التي ارتكبها نظام الأسد في خان شيخون، تضع الأميركيين أمام مفترق طرق: إما أن يتدخلوا الآن، أو يتخلوا عن دورهم العالمي. الآن وهنا. أما مراجعة الحسابات العالمية فتتم بعد انقشاع الغبار.

ولننتبه إلى رمزية الضربة. فهي وجهت إلى المطار الذي انطلقت منه الطائرات التي أطلقت الكيماوي على الأبرياء العزل في خان شيخون. ووجهت إلى المنشآت وليس إلى البشر، حتى العسكريين منهم. وقد أُعلن أن الروس قد أبلغوا بالضربة قبل حصولها بوقت كاف، مما أدى، ليس فقط إلى تجنب احتكاك بين القوات الروسية والأميركية، بل إلى مغادرة معظم العسكريين القاعدة الجوية الكبيرة.

لا يموت السوريون بكيماوي الأسد فقط، بل بأسلحة عديدة ومتنوعة: ببراميله المتفجرة، وبسياسات “الركوع أو الجوع”، وبهمجية المليشيات التي جلبتها إيران، وبهمجية داعش وأخواتها، وبغارات الطيران الروسي وطيران التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة الأميركية… ويموتون غرقًا في البحر وهم يحاولون النجاة بأنفسهم من كل أدوات القتل تلك، ويموتون كمدًا على أهلهم وأحبتهم المقتولين أو المعتقلين أو المشردين… لكن كل ذلك لم يؤثر في الرأي العام العالمي، ومنه الأميركي، كما أثرت صور الأطفال الذين يشهقون بغاز السارين بانتظار الموت.

كنا دائمًا نلوم إدارة أوباما على ترددها وبرودة ردات فعلها على الجرائم البشعة التي يرتكبها نظام الأسد وحلفاؤه في سورية. وكنا نقول إن الإدارة الأميركية بسلوكها هذا تشجع أولئك المجرمين على التغول أكثر في دماء السوريين. وكنا نقول إن إضعاف قوى الثورة السورية، وعدم مدها بالدعم اللازم، يشجع الأسد وطغمته على رفض أي حل يؤدي إلى أي قدر من التغير في النظام السياسي المتحكم برقاب السوريين منذ نصف قرن. فلماذا نرفض اليوم هذا التغير الجديد في التوجه الأميركي، وقد صرنا متأكدين من أن الحل السياسي في سورية لم يعد، منذ زمن بعيد، بيد السوريين؟

استمعت بالأمس إلى عضو الكونجرس الأميركي، والمرشح السابق للرئاسة، ماركو روبيو، يقول: إن رحيل نظام الأسد يمثل “مصلحة قومية أميركية”، لأن السكوت عن “جرائم الحرب” التي يرتكبها ذلك النظام يدفع السوريين، أكثر فأكثر، نحو الانضمام إلى الجماعات الإرهابية، وأن “كل من يدعم نظام الأسد شريك في جرائم الحرب” التي يرتكبها. هل يتعارض هذا الكلام مع أهداف الثورة السورية؟ وهل ينبغي ألا ندعمه لأن قائله مسؤول أميركي؟

لقد انتهى زمان التجييش الأيديولوجي أيها اليساريون الشعبويون المضلَّلون.

مقالات ذات صلة

إغلاق