مقالات الرأي

لماذا يتنكر “يساريون” و”علمانيون” و”قوميون” لثورة السوريين؟

لم تتعرّض أي من ثورات “الربيع العربي”، بما لها وما عليها، لحالة إنكار ومحاولة التشكيك في شرعيتها، أو تشويه مقاصدها، مثلما تعرّضت الثورة السورية، مع أن هذه الثورة ربما هي الأكثر استحقاقًا وشرعية بين كل الثورات، بالقياس على النظام الذي أنعم في مصادرة الحقوق والحريات، ومحو مكانة المواطنين، والتسلط عليهم، والهيمنة على موارد بلدهم، أكثر من أي نظام أخر.

المشكلة أن هذا شمل، أولًا، التنكّر الفاضح للضحايا، علمًا أن الحديث يتعلق بمئات الألوف من قتلى ومعاقين ومعتقلين، وملايين المشردين الذين ذهبوا ضحية القصف بالصواريخ الارتجاجية والفراغية وبالبراميل المتفجرة، فضلًا عن ألوف القتلى تحت التعذيب. وثانيًا، هذا شمل محاباة النظام الذي تأسّس على الاستبداد والفساد، وحول البلد من جمهورية إلى ملكية خاصة يتوارثها الأبناء من الآباء. وثالثًا، أن الإنكار واللامبالاة والتشّكك حصل من جانب تيارات يفترض أنها معنيّة بالتحرّر والتقدم، ولا سيما أنها كانت دومًا تأخذ على الشعوب قعودها عن واقع الظلم والاستبداد. والقصد هنا طبعًا معظم الكيانات “اليسارية” و”العلمانية” و”القومية” والمقاومجية، التي ناصبت هذه الثورة العداء، وعدّتها مؤامرة خارجية فحسب، أو حربًا ضد الإرهاب، في تماه مع دعاية النظام، وكأنه لا يوجد شعب في سورية، وكأن هذه التيارات طوبت سورية للأسد، وفقًا للشعار المشين: “سورية الأسد إلى الأبد”.

وقد كان يمكن تفهّم حالة الإنكار هذه، بعدّها ردًا على تصدّر بعض الجماعات الإسلامية المتطرفة المشهد السوري، أو ردة فعل على هيمنة الصراع العسكري على حساب الأشكال الأخرى، لكن حالة الإنكار هذه كانت منذ بداية الثورة السورية، أي: منذ كانت الأشكال السلمية للكفاح هي المهيمنة، ومنذ أن كانت الخطابات التي تتحدث عن إسقاط نظام الاستبداد، وإقامة دولة الحرية والكرامة والمواطنة والديمقراطية هي السائدة.

لا يمكن تفسير هذه الوضعية إلا بوصفها نوعًا من ردّة فعل عصابية، ونرجسية، من طبيعة “الممانعة والمقاومة” ذاتها التي يدّعيها هؤلاء المناهضون من ثوريي الأمس، من “يساريين” و “قوميين” و”علمانيين”، بعدما بات التخفّف من الواقع، بالنسبة إليهم، بمنزلة الخندق الأخير؛ للدفاع عن “معسكر” المقاومة والممانعة المزعومتين، ويخفي أو يغطي الطابع الاستبدادي والوظيفي للنظام السوري وحليفته إيران.

ويبدو أن حالة الانفصال عن الواقع -هذه- تفيد في ابتعاث نوع من الارتياح الضميري، والرضا الذاتي “الأخلاقي”، عند هؤلاء الذين يصعب عليهم التعايش مع ما يجري، والإقرار بأن ثمة ما حصل حقًا، في سورية، من درعا إلى إدلب، ومن بانياس إلى البوكمال، مرورًا بحلب وحماة وحمص ودمشق والرقة والدير، ومع مجازر مروعة في تريمسة وكفر عويد والحولة وجسر الشغور والقبير وزملكا والسيدة زينب، والغوطة وخان شيخون، ومع كل هذا الدمار لأحياء كاملة في كثير من مدن سورية.

عقلية الإنكار -هذه- غُذيت خلال أربعة عقود من حكم العائلة الأسدية التي احتلت المشهد العام، من رياض الأطفال إلى المدارس والجامعات ومنظمات الطلائع والطلاب والشبيبة والعمال والفلاحين والمرأة والمعلمين، والقضاء، وفي الجيش، وعبر وسائل الإعلام والأجهزة الأمنية، والأغاني والرموز، والصور والتماثيل التي تحتل المشهد كله، ومع خطابات ديماغوجية عن مواجهة الإمبريالية ومقاومة إسرائيل، لكنها لم تكن تعني شيئًا في المجال الملموس.

بيد أن حالة الإنكار -هذه- كانت عامة وشاملة، أي إنها كانت تشمل رأس الهرم ذاته، ولا سيما مع الأسد الابن الذي زيّن لنفسه -سنوات- أنه يمكن أن يكون بمنزلة المرشد للرؤساء والملوك العرب؛ ما جعله يعتقد أن مهمته تتضمن إعطاء الدروس لهم، ونصحهم بكيفية إدارتهم أحوال الأمة، حتى يكونوا “رجالًا” حقًا! وبعدئذ توهّم بأنه بات بإمكانه إدارة الحالة العربية، وربما الشرق الأوسطية، مع تقاربه السريع مع كل من قطر وتركيا (سابقًا)، إضافة إلى إيران وفنزويلا تشافيز (سابقًا) وكوريا الشمالية وروسيا. والأنكى أنه بعد ذلك ابتدع نظرية “توحيد” البحار الخمسة، بوهم التحول إلى قطب بين الأقطاب الدوليين! ولعل هذا ما شجّع ذاك العضو في مجلس الشعب على مخاطبته بكلمات ملؤها الامتنان والعرفان، وعلى الملأ، بأن “سورية قليلة عليك يا سيادة الرئيس… أنت لازم تكون رئيس العالم”!

وإذا أخذنا شعار: “وحدة حرية اشتراكية”، الأثير لحزب الحاكم (لا الحزب الحاكم)، ويقدم نفسه حزبًا تقدميًا قوميًا واشتراكيًا وتحرريًا ومقاومًا، سنجد درجة مريعة من الاغتراب، فبمقدار حضور هذا الشعار في اللافتات والأدبيات، بمقدار ما هو غائب في السياسات والاستراتيجيات.

لكن قصة الإنكار تبلغ ذروتها في إنكار الشعب، أو إزاحته إلى الهامش، فعند الأسد، ومن معه، ليس ثمة شعب، وإنما جماهير أليفة ووادعة ومطواعة مهمتها التصفيق والهتاف له في الساحات فحسب، وأي مشهد يختلف عن ذلك هو مفبرك ليس إلا.

المشكلة أن هذا النظام بديماغوجيته استطاع أن يشكل نقطة استقطاب لكيانات وفصائل يسارية وعلمانية وقومية ومقاومة، أولًا، لأن هذه الكيانات لم تعد تمثل شيئا في الواقع الاجتماعي، مع الفجوة الكبيرة بينها وبين مجتمعاتها. وثانيًا؛ لأنها لا تفعل شيئًا ملموسا لتغيير الواقع، باستثناء لوك الشعارات وتدبيج البيانات وتنظيم المهرجانات. وثالثًا؛ لأن البيئة العربية تحرم أو تحدّ من العمل السياسي، وتفرض عليه أن يكون تابعًا فحسب، أو فولكلورًا لا أكثر. ورابعًا؛ لأن هذه التيارات أضحت بمنزلة كيانات مغلقة بأيدلوجيات مغلقة وفارغة، تبدو فيها الأيديولوجيا بمنزلة هوية، وليست دليلًا لقراءة الواقع، وتفسيره وتغييره.

قصارى القول، من يرى في سورية “مزرعة” وراثية فحسب، وموقعًا استراتيجيًا محضًا؛ فمن البديهي أنه لن يرى شعبها، ولا معاناته وتضحياته، ولا توقه إلى الحرية والكرامة. ومن يقول: “سورية الأسد”، من علمانجيين وقومجيين ويسارجيين، لن يرى سورية الشعب؛ هذه هي الحكاية. هذا ما يفسر كل هذا التردي في الحالة السياسية في العالم العربي.

مقالات ذات صلة

إغلاق