ترجمات

صحيفة فزغلياد: علاقات ترامب وبوتين تعرَّضت لهجومٍ كيماوي

 

صورة أندريو هارنيك/ أسوشيتيس برس/ تاس

للمرَّة الثانية في غضون أربع سنوات، يضع استخدام الأسلحة الكيماوية في سورية العالمَ على حافَّةِ مشكلات كبيرة. وفي المناسبة، إذا كانت، في عام 2013، قد لاحت إمكانية نشوبِ حربٍ شاملة في منطقة الشرق الأوسط برمتِّها، فإنَّه يطرح على الخريطة اليوم إمكانية تجدُّد الحوار بين روسيا والولايات المتحدة الأميركية فحسب. وبغضِّ النظر عن التصريحات الصاخبة، فإنَّ بإمكان موسكو نزع فتيل “الاستفزاز الكيمياوي الثاني” هذه المرَّة أيضًا.

غدا الهجوم الكيمياوي على خان شيخون الخبرَ رقم واحد في العالم؛ فالجيش السوري متَّهمٌ باستخدام أسلحةٍ محظورة، في حين تتهم دمشق المعارضة المسلَّحة بارتكاب الحادثة. أمَّا موسكو، فتدعو من جانبها إلى إجراء تحقيق لمعرفة ما جرى، بينما يتَّهم الغرب الأسد وروسيا، فهل عدنا إلى عام 2013؟ لم نعد قطعًا؛ لأنَّ الوضع الآن مختلفٌ جذريًا- في العالم عامة، وفي الشرق الأوسط خاصَّةً، وفي الولايات المتحدة نفسها. إن المشترك بين الحالتين يقتصر، على الاستفزاز الذي يحاولون توظيفه للحيلولة دون اندلاع حربٍ كبيرة.

صرَّح الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، خلال مؤتمره الصحافي المشترك مع الملك الأردني عبد الله الثاني، أنَّ الهجوم الكيمياوي على إدلب غيٍّرَ موقفَه من بشار الأسد؛ على الرغم من أنَّ وزير الخارجية الأميركية كان قد صرَّح قبل يومين بأنَّ الشعب السوري هو من يقرر مصير الرئيس السوري (احتاجت الولايات المتحدة 6 سنوات للقيام بهذا الاعتراف الخارق)، وفي مقابلة نشرتها صحيفة The New York Times، قال الرئيس الأميركي، مجيبًا عن سؤال إذا كان يعتقد أنَّ الحادث في إدلب يشير إلى “دورٍ روسيٍّ في سورية”:

” أعتقد أنَّه يومٌ محزنٌ بالنسبة إلى روسيا؛ لأنَّهم يقفون معًا (مع دمشق). في هذه الواقعة، تشير كلُّ المعلومات إلى أنَّ سورية هي من قامت بهذا العمل… لا أحد يعرف لِمَ فعلوا ذلك”. أيْ: إنَّ ترامب لا يتهم موسكو بالضلوع في الأمر، ولكنَّه يلمِّح إلى إجراءاتٍ دون تحديدها؛ ” أنا لن أفصح عمَّا سأقوم به من الناحية العسكرية، وببساطة أنا لا أثرثر حول ذلك…… يسألونني كيف سأتصرَّف مع سورية. أنا لا أخوض في هذا الأمر”.

في هذه الأثناء، صرَّح نائب الرئيس، مايكل بنس، بأنَّ سبب الوصول إلى هذه المأساة يعود إلى فشل إدارة أوباما في” إلزام روسيا وسورية تنفيذ الالتزامات التي أخذتاها على عاتقهما بتدمير الأسلحة الكيماوية”- أيْ إنَّه، في واقع الأمر، يتهم موسكو بعدم تنفيذ الالتزامات التي أخذتها على عاتقها. من ناحيته، صرَّح وزير الخارجية، ريكس تيليرسون بأنَّه لا يخامره شكٌّ في مسؤولية الحكومة السورية عن هذا الهجوم الفظيع”.

” نحن نعدّ أنّ الأوان قد حان كي تعيد روسيا التفكير في استمرار دعمها لنظام الأسد. يجب ألا يكون لدى من يدعمه، بما في ذلك روسيا وإيران، أوهامٌ بشأن الأسد ونواياه. كلُّ من يستخدم الأسلحة الكيماوية ضدّ شعبه يظهر في واقع الأمر احتقارًا عميقًا للإنسانية، ويجب أن يتحمَّل المسؤولية”.

أمَّا عن كيفية القيام بذلك، فقد تحدَّث عنها السيناتوران ماكين وغريم، إذ التقيا بوزير الخارجية تيليرسون، اللذان قالا بعد اللقاء إنَّ الوزير يتفهَّم ” ضرورة التصرف ضد الأسد”. أمَّا السيناتوران نفسهيما فيؤيدان تزويد المعارضة المسلحة بالأسلحة. لكن عن أيِّ أسلحة يتحدثان؟ يقول غريم أنَّ” باستطاعة الرئيس ترامب معاقبة الأسد بطريقةٍ لم يكنِ أوباما ليفعلها”- لكنَّ أوباما لم يطلق الصواريخ البالستية على دمشق، على الرغم من محاولتهم دفعه في هذا الاتجاه بالتحديد.  فما الذي ينوون دفع ترامب إلى القيام به؟

كي تكتمل لدينا الصورة، علينا العودة إلى ما قالته مندوبة الولايات المتحدة الدائمة لدى مجلس الأمن، نيكي هيلي، يوم الخميس الماضي:

” كان لي أحاديث مع الرئيس، كان خلالها يقول عن روسيا أنَّها مشكلة”.

عند حديثها عن روسيا، أشارت هيلي إلى ” ما فعلوه مع شبه جزيرة القرم وأوكرانيا…. وأنَّهم يحمون الأسد، وبسبب هذه الأمور، لن نكون متساهلين معهم”، وذكَّرَتْ أنَّها” صفعت روسيا على قفاها عدة مرات” عندما عدّت أنَّ “عليها لفت انتباه الروس إلى أنهم يتصرفون تصرفًا مغلوطًا”، وتقول: إنه يجب عدم الاهتمام كثيرًا لعدم انتقاد ترامب لروسيا – ” الجميع ينتظر ما سيقوله، لكن يجب النظر إلى ما يفعله”.

وبذلك نحن أمام أكبر أزمة تحدث خلال الأشهر الماضية؛ نُظِّمتْ نتيجة عملية استفزاز مصطنعة. يتكرر، تقريبًا، الوضع نفسه الذي عشناه عام 2013، بعد اتهام الأسد باستخدام الأسلحة الكيماوية وما أعقب ذلك من حشد القوات الأميركية لمهاجمة سورية. كان كلُّ شيءٍ جاهزًا للقيام بضربةٍ شاملة. لكنَّ توجيه ضربةٍ أميركية مباشرة ضد بلدٍ عربيٍّ آخر، كان يمكن أنْ يتسبَّب، كما في لعبة الدومينو، باندلاع حربٍ شاملة في الشرق الأوسط بكامله، ما أوقف عجلة الضربة. في ذلك الوقت، حال الجهد المشترك الذي بذله أوباما وبوتين دون اندلاع حربٍ عالميةٍ مصغَّرة. فالرئيس الأميركي أوباما لم يرد -البتًّة- أنْ تُتجاوز “الخطوط الحمر” التي رسمها بنفسه. في واقع الأمر، لم يكن الأسد وسلاحه الكيماوي من تجاوزا الخط الأحمر، بل أولئك الذين حاولوا إقحام الولايات المتحدة الأميركية في تدخلٍ شامل في سورية. في تلك اللحظات، كان أوباما وكيري يتمتعان بعقلٍ راجح؛ لفهم الوضع. وتمكَّن فلاديمير بوتين الذي يجمع المهارة الدبلوماسية والعسكرية من التوصل إلى اتفاقٍ لإخراج الأسلحة الكيماوية من سورية؛ ما مكَّن الرئيس أوباما من المحافظة على ماء الوجه. لكنَّنا الآن نرى القوى نفسها ترمي ذات “القشرة الكيمياوية” للرئيس ترامب.

تختلف الأهداف الآن عمَّا كانت عليه عام 2013، حيث كان الحديث حينذاك يدور عن ضربة عسكرية أميركية على سورية. أمَّا اليوم فستضع الضربة العلاقات الروسية- الأميركية على المحكّ.

عمَّ يدور الحديث الآن؟

سيصل وزير الخارجية الأميركية تيليرسون موسكو الثلاثاء المقبلة، ومن المقرَّر أنْ يلتقي الرئيسَ بوتين يوم الأربعاء. سيكون اللقاء هو الأول لممثِّل ترامب منذ تسلُّمه منصبه. وبمعنى آخر، ستبدأ المفاوضات بين الإدارة الجديدة والقيادة الروسية بعد انقطاعٍ دام خمسة أشهر (منذ بدء الحملة الانتخابية الرئاسية الأميركية). عمليَّا، لم تُتَح لترامب، حتى الآن الفرصة لإقامة تواصلٍ طبيعي مع موسكو، حيث نُّظِّمتْ ضدَّه حملةٌ مركزة تشكك بـ”علاقاته الروسية المتخيَّلة”.

على خلفية هذه الحملة، كان ترامب مضطرًا للتضحية بمستشاره للأمن القومي مايكل فلين، ولكنَّه أضطرَّ أيضًا لوقف خططه للقاء فلاديمير بوتين. في هذه الأثناء، أطلق خصومه حملةً مبطَّنةً أخرى جوهرها أنَّ “بوتين ملَّ انتظار ترامب” وأنَّ” الروس قد خاب أملهم بترامب”. على التوازي، يوجد في إدارة ترامب نفسها أنصارٌ لمختلف المقاربات بشأن العلاقة مع روسيا، ومن ضمنهم أولئك الذين يدعون للاستمرار في إتباع سياسةٍ صلبةٍ لِلَجمِ موسكو. وبطبيعة الحال، استغل أنصار هذه السياسة فترة الانتظار التي أخذها ترامب لإطلاق العنان لمكنوناتهم، الأمر الذي نشهده في تصريحات هيلي.

مع ذلك، يبقى ترامب راغبًا في الحوار. وموسكو لا تتوقَّع منه غير ذلك. وبما أنَّ بوتين يعرف وجهة نظر ترامب بالنسبة إلى الولايات المتحدة وبالنسبة إلى العولمة، فإنَّه ليس بحاجةٍ إلا إلى محادثة واضحة مع ترامب؛ ليدرك مدى قدرة الرئيس الجديد على تحقيق الأهداف التي وضعها أمامه. روسيا بحاجةٍ إلى ترامبٍ ناجح، أي ترامب الذي سيجعل ” أميركا عظيمةً”، وفق وعوده الانتخابية، ووفق وجهة نظره السياسية التي أعلنها.

إذا تبيَّن لبوتين أنَّ ترامب هكذا، – وإنْ كان محاطًا بممثلين من مختلف أوساط المؤسسات الأميركية-، فإنَّه سيكون بمقدور بوتين دائمًا التحدث معه، بل وسيتمكَّن، أحيانًا، من الاتفاق معه على أمورٍ محدَّدة. أما إذا أصبح ترامب رئيسًا غير مستقلٍّ، فسيكون الاتفاق شبه مستحيل، لأنَّه لن يتمكن من تنفيذ التعهدات التي أخذها على نفسه.

وبهذا نرى أنَّ اهتمام الكرملين بسيط: مساعدة ترامب على أن يبقى ترامب نفسه. أمَّا هدف خصوم ترامب فهو على النقيض: عدم السماح لترامب أنْ يكون رئيسًا حقَّا للولايات المتحدة، سواءً على صعيد السياسة الداخلية أم على صعيد السياسة الخارجية. وبالأخذ في الحسبان أن ترامب معادٍ للتدخل، أي إنَّه معارض للتدخل العسكري الأميركي في أمور الآخرين، فيجب عليهم تعقيد علاقته ببوتين الذي يدعو إلى إرساء مفهومات عدم التدخل (الروس لا يعلمون أن مرتزقة بوتين يتدخلون في كل مكان من سورية إلى ليبيا وأوكرانيا وغيرها!!). هم يدركون أنَّه إذا تمكَّن بوتين وترامب من التوصل إلى لغةٍ مشتركة، فستكون عندها مسألة الهيمنة الأميركية، التي تروِّج لها النخبة الأطلسية في دائرة الخطر.

خُيِّلَ لبعضهم أنَّ إيصال روسيا والولايات المتحدة إلى حالة المواجهة في المسألة السورية هو أسهل الحلول، فالحرب هناك تدور منذ سبع سنوات، وتتمترس الدولتان في خنادق متقابلة. حاول ترامب الإفلات من الفخّ منذ الحملة الانتخابية عندما كان يقول بأنَّه سيحارب تنظيم الدولة الإسلامية إلى جانب بوتين، ولكنَّهم يحاولون، بإصرار، إعادته من جديد إلى المصيدة بمساعدة الهجوم الكيمياوي في ادلب، وقبل أيامٍ قليلة من زيارة وزير الخارجية المقرَّرة إلى موسكو.

هل ستصطدم روسيا والولايات المتحدة في سورية”. لن تصطدما مطلقًا. فإن كان ذلك لم يحدث عام 2013، فإنَّه بالأحرى لن يحدث الآن. أولًا، وبخلاف الوضع الذي كان سائداّ آنذاك، فالروس الآن موجودون في سورية، وهذا يغيِّر الوضع جذريًا. وثانيًا، رئيس الولايات المتحدة الأميركية الحالي هو شخصٌ يتَّجه إلى تقليص استخدام ” العصا العسكرية”، حتى أكثر من سلفه أوباما، ومن ثم؛ لا يريد أنْ يبدأ عهده بعملية عسكرية منفردة وخطرة في الوقت نفسه.

هل ستتمكَّن العملية الاستفزازية (منطق غريب!) في إدلب من تخريب الحوار الروسي- الأميركي؟ مرَّةً أُخرى، كلا. دونالد ترامب يحتاج بشدَّةٍ إلى هذا الحوار، يحتاج الحوار مع روسيا ليس لأنَّه”عميلٌ” أو ” متعصِّب “لبوتين، بل لأنَّه يدرك أنَّ الانجرار وراء الاستفزاز سيجلب له المواجهة مع روسيا، ولن يتمكَّن عندها من تنفيذ أيٍّ من مخططاته الشاملة.

وكي يتمكَّن ترامب من جعل “أميركا عظيمةً”، يجب عليه حرمان النخبة الأطلسية العابرة للقوميات من قدرتها على تحديد سياسة أميركا، وتقرير مسارها ومصيرها. وهذا ما يفهمه ترامب جيدًا.

 

اسم المقالة الأصلي Отношения Трампа и Путина подверглись химической атаке

 

كاتب المقالة بيتر أكوبوف
 مكان النشر صحيفة فزغلياد
تاريخ النشر 06 04-2017
رابط المقالة https://www.vz.ru/politics/2017/4/6/865133.html
 المترجم سمير رمان

 

مقالات ذات صلة

إغلاق