مقالات الرأي

موسم التعرية

عندما انفجر الشارع السوري في آذار/ مارس 2011، كان المطلب الأول للجمهور إصلاحًا حقيقيًا للنظام، وعند معالجة المطالب بالعنف، ورؤية الشهداء يتساقطون، نادى بإسقاط النظام، وكان الناشطون يأملون بالمساعدة الدولية في تحقيق حلمهم الذي انتظروه طويلًا،بالحرية والكرامة، على اختلاف خلفياتهم الأيديولوجية، وتحسبًا للاحتجاج بحماية الأقليات التي كان النظام الأسدي يخاطب الغرب بها، (وهو الخطاب الغربي التاريخي) بذلوا جهدًا غير قليل من أجل إظهار وحدة الهدف للشعب السوري، تشهد عليه أسماء الجمع قبل عسكرة الثورة، كما كانوا على قناعة بأنهم لن يستطيعوا تحقيق أهدافهم بغير الدعم الدولي، ليس لأنهم لا يثقون بإمكاناتهم الذاتية، وإنما لأنهم خبروا هذا النظام قبلًا، وبخاصة من خلال قسوته في التصدي لأي نقد له أو محاولة لطلب إصلاحه، ولم يكونوا جهلة باعتماده على حلفائه التقليديين الذين كانوا دوما يُشهرون سيوف ألسنتهم دفاعًا عنه، في مناسبة ومن دونها، ويهددون بأسلحتهم الفتاكة وبالويل والثبور كل من يخطر في باله إصلاح النظام، بله تغييره.

من أجل ذلك؛ كان سياسيو المعارضة الكبار يُحذرون كل من يلتقونه من السفراء الأجانب، والصحافيين الغربيين بخاصة، من إمكانية انتشار التطرف والإرهاب، إن لم يُسرع المجتمع الدولي إلى اتخاذ مواقف واضحة وجادة لمساندة الثورة السلمية، كذلك كان الشبان الناشطون في الساحات والميادين يفعلون، وكانوا يزدادون تحرقًا وقلقًا من تأخر هذا الدعم، ولا سيما وقتما يسمعون التصريحات المباشرة وغير المباشرة للمسؤولين في النظام الأسدي وأزلامهم الذين كانوا يهددون صراحة بالإرهاب، ويتوعدون به الدول التي قد تساعد الثورة في تحقيق أهدافها.

لكنَ الآمال بالمساعدة الدولية بدأت تخبو شيئًا فشيئًا، مع دهشة الثوار للمواقف التي أصبحت عصية على أفهامهم… وبخاصة بعد تخطي الأسد للخطوط الحمر الأوبامية، من دون أن يلقى ما يُعادل إجرامه ذاك من العقوبات المنتظرة، وكان الاتحاد الأوروبي، ودول متعددة أخرى، في استعداد تام لمساندة عقاب ملائم في حال تنفيذه.

كل من كان متابعًا للوضع السوري، كان يُقلب وجهات النظر لتفكيك ذلك الغموض، والتقاط أسبابه، متسائلًا: هل صحيح أنه لم يبق أي مصلحة أميركية في الشرق الأوسط حتى تسلمه لإيران وروسيا كما يبدو؟ وهل انسحاب السياسة الأميركية من المنطقة هو من أجل توريط روسيا وإيران أكثر في المستنقع السوري؟ إن كان الأمر كذلك فلماذا لا تسمح بالسلاح للجيش الحر الذي يفرض تكاليفَ عليهما، كما حدث في أفغانستان في أثناء وجود السوفيات فيها؟ ثم إذا كانت الإدارة الأميركية، تربط بين التنظيمات الإرهابية وأمنها وأمن حلفائها، فلماذا تتجاهل أسباب تناميها وتحركاتها، وهي العليمة ببواطن الأمور وظواهرها؟

تلك الأسئلة وغيرها كانت تترك الناشطين والمهتمين والمحللين الكبار والصغار في “حيص بيص”، كما يُقال، ولعل جانبًا من تيه بوصلة المعارضة السياسية السورية كان سببه ذاك الغموض.

لكن الخيوط بدأت تتفكك عندما قرر أوباما، المسالم المنسحب، تشكيل تحالف دولي لمكافحة الإرهاب “الداعشي” الذي يمثل أخيرًا -وفق تقديراته-  خطرًا على أمن بلاده القومي، وقبل بالتكاليف المادية الباهظة لخوض حرب عاتية ضده، كان سابقًا يضن بها؛ حرصًا على وضعه الاقتصادي، وفوجئ المتابعون بالأعلام الأميركية ترفرف قرب الرقة، وكأنها ترسم حدودًا لنفوذه ونفوذ الآخرين، بل كأنها تقول: لقد سمحت لكم بقطعة الكعكة السورية الملائمة لي ولكم، وغضضت البصر عما تفعلونه لامتلاكها، لكن تلك حدودي، ولن أسمح لكم أن تعتدوا عليها أو تتجاوزوها، إن مناطق البترول والغاز والثروات الأخرى المعروفة للأميركي والروسي، وربما لقلة أخرى، من شمالي العراق ووسطه، إلى الرقة وشرق الفرات، يحتجزها الأميركي له، فليس للآخرين إلا احترامها، وليس لـ “داعش” وفوضى الاقتتال السوري من دور سوى تسويغ وجوده هناك، ذلك نصف المشهد، أما نصفه الآخر، فما زال في علم الإدارة الأميركية الجديدة.

مع التصريحات الأميركية قبل الأخيرة، حول جعل الأسد اهتمام ثانيًا في سياستهم، وليس من أولوياتها، واتباعها بنوع من التغازل الروسي – الأميركي، وتهميش الدور الأوروبي، والتركي، والناتو، ظن مفكرون ومحللون كُثر أن السياسة الأميركية خلعت عنها ورقة التوت الأخيرة، وأن المشهد الأخير من حفلة التعرية  يكاد ينتهي، وسمع العالم كله أصوات التصفيق الروسي والإيراني لها، ورأى الدبكة السورية وتوزيع الحلوى في الضاحية الجنوبية  اللبنانية للانتصار الأسدي الباهر الذي لا يترك لقناع المفاوضات مع معارضة “هزيلة” مكانًا، إذ لا مسوغ له بعد هذا الانتصار، فلماذا الاحتفاظ به وموسم التعرية العالمي يسير على قدم وساق؟ أما هؤلاء الأولاد في جوبر والقابون وريف حماة الذين يتحرشون بالأفراح الأسدية، فكما استطاعت روسيا الحليف الذي يُعتمد عليه، مكافحة من كان أكثر قوة وتأثيرًا في حلب، نستطيع الانتهاء منهم أيضًا المسألة مسألة وقت لا أكثر.

لقد دفع الاطمئنان إلى مثل تلك الاستنتاجات النظام الأسدي إلى غرور أوقعه في مصيدة “الكيماوي”، وظنَ أن تقاسم النفوذ بين الكبار قد انتهى، وأنه يستطيع الآن أن يرتب أمور سورية المفيدة، بعد أن تنازل طائعًا، ومن أجلها، عما بقي من سورية غير المفيدة لنظامه، لكنه فوجئ بستارة المسرح الدولي تنسدل نزولًا على مشهد يلبس فيه جميع من عليه كامل لباسهم العسكري، وبأضواء التعرية تخفت، شيئًا فشيئًا، وبإقفال المسرح على غموض جديد.

مقالات ذات صلة

إغلاق