مقالات الرأي

عن الجامع والثورة مرة أخرى

مازالت فكرة خروج الثورة من الجامع قيد التداول عند بعضهم، من دون أن يكترث للقول السوسيولوجي – الثقافي في تفسير ظاهرة الثورة السورية، والحق أن التحدث بهذه الفكرة ليست وقفًا على أحدٍ بعينه، بل صارت لازمة مُملّة عند صنف غريب من العلمانية “المشلخة”.

ينتصب علماني نوع من الفخر بعلمانية لا تقبل المساومة، مُعلنًا موقفه المناهض لثورة السوري: “أنا لا أومن بثورة تخرج من الجامع”، ويرد عليه علماني آخر، لا يساوم على علمانيته، وينتمي إلى ثورة السوري: “هذه ثورة شعب سدّ الطاغية أمامه كل الساحات ومنصات القول، ولم يجد غير الجامع مكان لقاء للخروج إلى الشوارع”.

يُعلن العلماني المنتمي إلى الناس عداءه الصريح الذي لا لبس فيه لـ “داعش” والنصرة وأخواتها؛ لأنه يريد دولة ديمقراطية مدنية علمانية، لا يطلق أمنها وجيشها النار على تظاهرة تخرج من الجامع، ويصمت العلماني المناهض لأناس الجوامع أمام جرائم الدكتاتور وأدوات قتل الناس التي خرجت من الجوامع، بل ويدافع صراحة أحيانًا، وغمغمة أحيانًا أخرى، عن بنية تسلطية متخلفة، عادت بالوطن عشرات السنين إلى الوراء.

كيف تأتى لمثقفين ينتمون إلى العلمانية أن يختلفوا في أمر الثورة السورية؟

من المخطئ ومن المصيب، وأكاد أسأل: من الكاذب ومن الصادق؟

علماني الناس الثوري؛ إذ يقف مع أناس الجوامع الذين خرجوا بمئات الألوف، هاتفين بجمل مختصرة لحريتهم المغتصبة، ولكرامتهم المستباحة، يؤمن بمنطق العلم، يؤمن بأن الذين خرجوا من الجوامع لم يخرجوا دفاعًا عن الله، بل طلبًا للحياة الحرة الكريمة، قالوها بكل عفوية: “سورية بدها حرية”. أناس الجوامع هم أناس الدين الشعبي غير المسيس، أو الذي مُنع من أن يكون مسيسًا، وما عاد يطيق إهدار كرامته، لم يعد قادرًا على تحمل عبودية يشعر بها ويعرف أسبابها، من دون أن يعود إلى علماء السياسة. هو يعرف أن الحرية نقيض العبودية، وأن الكرامة نقيض الذل.

يختفي علماني الدكتاتور الكاره للناس وراء راديكالية زائفة، ويخفي عداءه للعلمانية نفسها بخطاب ضد الناس، متناسيًا أن أصل كلمة العلمانية هي العالم أي الناس، بل إنه يطعن العلمانية في الظهر عندما يحوّل السلطة ورأس السلطة المستبد إلى دين بكل طقوسه ويضفي عليها وعليه نمطًا من القداسة.

إن العلماني كاره جوامع الناس، لا يقول شيئًا عن الجامع الذي يُصلي فيه الديكتاتور، لا يقول شيئًا عن الجامع الذي يمدح فيها صاحب العمامة “رئيسه المفدى”، لا يقول شيئًا عن العمامات السوداء القادمة من كهوف الثأر الطائفي، ويقودها ولي الفقيه، لا يقول شيئًا عن الكنيسة التي تسبح باسم “سيد الوطن”.

العلماني الصادق علماني الناس، يعلن بكل وضوح وبخطاب لا ريب فيه: لا للدولة الدينية بكل أشكالها، لا للسلطة الطائفية، نعم للدولة العلمانية الديمقراطية، دولة العقد الوطني والعقد الاجتماعي، ويأتيه رد العَلماني الكاذب بلغة أيديولوجية زائفة: لا للإرهاب ونعم لدولة الممانعة ودولة الموت لأميركا وإسرائيل.

بل إن هناك من جعل العلمانية ظهورًا لهويته الدينية المستترة المعبرة عن عدائها للناس.

إن أسير الوهم هذا ليس معاديًا للعلمانية فحسب، وإنما لمنطق العلم الإنساني – الاجتماعي، ويُحوّل نفسه إلى وهم مسلح.

إذا كنّا نتفهم علمانية الهوية المستترة الكارهة لأناس الجوامع عند جزء من العامة فكيف يسوغ بعض الشيوعيين – الماركسيين وعيهم الزائف هذا؟

فقوة ماركس -بالأصل- تكمن في أطروحة واضحة تقول: ليس الوعي هو الذي يحدد الواقع الاجتماعي، وإنما الوعي الاجتماع هو ثمرة هذا الواقع. والبنية الفوقية هي وليدة البنية التحتية. فلو وافقنا جدلًا على أن الثورة هي قبل كل شيء وعي خرج من الجامع، بكل ما يحمله الجامع من دلالات (مع إن الأمر ليس على هذا النحو، أما كان على الرفاق أن يطرحوا على أنفسهم السؤال: ما الشروط الاجتماعية التي ولدت وعيًا كهذا وجعلته في حال تمرد؟

كيف لهم أن يفهموا الواقع السوري دون مدخل منهجي ماركسي كهذا؟

أما كان عليهم أن ينسجموا مع منهج تفكيرهم الذي يعتقدون به في تفسير حركة التاريخ، ولو على نحو بسيط بدل أن يغرقوا في مستنقع الوهم؟ ترى ما الفرق بين وهم مسلح بالعلمانية وخوذات خضر، وطائرات براميل، وميليشيات لبيك يا حسين، وعنف مطلق يسعى نحو تجميد الحياة عند مصادفة مزعجة هاربة من منطق التاريخ، من جهة، وأصولية ضد العلمانية ذات أقنعة ورايات سود، وأحرف عربية قبل التنقيط، وعنف مطلق يسعى إلى إعادة التاريخ إلى الوراء مئات السنين من جهة ثانية؟ لا فرق كلاهما ضد الناس.

وليتخيل المرء نتائج صراع بين وهمين عنفيين كهذين الوهمين؟ مع أن الدرب إلى الحياة الواقعية والعقلية والإنسانية واضح إلا لمن أصيب بالعماء الأيديولوجي المطلق، وحين ينتصر الناس يعود الجامع من بيت إله المعذبين إلى بيت إله الفرحين.

مقالات ذات صلة

إغلاق