تحقيقات وتقارير سياسية

ظهور الـ “لا أحد”

“الموت ولا المذلة”…. كلمات بقدر ما كانت تلهب حماس الشعب السوري، بقدر ما تقض مضجع النظام الاستبدادي الأسدي. لعل شعوره باليأس دفع شبيحته إلى إطلاق شعار “الأسد أو لا أحد”؛ ما يعدّ مدخلًا مهمًا لتفسير ما جرى ويجري، وخاصة عندما تهاوت قوى النظام في حلب، الحاضرة الكبرى التي بدأت تخرج من يده.

“الأسد أو لا أحد”… لم يكن شعارًا فحسب، وإنما كان ممارسة أمنية استخباراتية بامتياز، فقد اشتغل عليها النظام في علانية لا تخلو من وقاحة.

حلب كانت الأنموذج الذي بدأ يتكون لطبيعة الحكم المرتقب. حرص النظام على اغتيال أي محاولة لدوران عجلة التغير على الأرض المحررة، عبر شبكة عملاء ووكلاء تقاطعت أهدافه معها، وهي زوال حلم بناء التجربة السورية. خلخل الصفوف باغتيالات، طالت رموزًا كان لها حضورها في المشهد العسكري، وإن كان هذا الحضور ظاهريًا.

اغتيال العقيد أبو فرات، يوسف الجادر، اغتيال عبد القادر الصالح، قائد لواء التوحيد الذي كان المظلة العسكرية الكبرى للمقاومة الثورية، إعلان “داعش” الخلافة وردّ الجولاني بمبايعة القاعدة وولائه لها، كل هذه التحركات التي لا يمكن عزل بعضها عن بعض. مع طرد “داعش” من معظم مدينة حلب تصاعدت حملة البراميل التي كان هدفها قتل الحيوية داخل المناطق المحررة من قبضته.

جرى التمهيد لظهور الـ “لا أحد” عبر محاولة تقزيم الثورة، وتشتيت جهدها المدني والعسكري، فعلى أطرافها تقع “داعش” التي سيطرت على مكامن التمويل المحتمل للثورة، النفط والغاز والمياه، وربطت الثورة بالداعم عبر حرمانها من مواردها الوطنية التي تمنحها الاستقلالية.

على أطراف الثورة، يقع النظام الذي كان وراء ظهور تلامذته في صيدنايا. تحكم واستثمر في راياتهم، وروّجهم بديلًا مخزيًا له، وخاض النظام معركته بإطالة أمد المعركة، و”تأسين” المياه الصافية التي هدرت في عروق الثورة، وعلى هذا عمل النظام على ثالوث “داعش” و”القاعدة” والتدخل الروسي- الإيراني.

بعد أن واجهت الثورة “داعش” والنظام، كان عليها أن تواجه صراعًا في قلبها وهو “القعدنة” وفكر إدارة التوحش الذي يمقت بناء الدولة، كما يمقت فكرتها أصلًا. مفهوم الـ “لا أحد” الذي اعتمده النظام قام على ثالوث:

– اغتيال مشروع الثورة الناشئ في حلب.

– اختراع “داعش”، وسيطرتها على مكامن الثروة، ومن ثم؛ حرمان الثوار من التمويل الذاتي.

– تفخيخ الثورة من الداخل، عبر “القاعدة” بكل لبوساتها من “النصرة” إلى “فتح الشام” إلى “هيئة تحرير الشام”.

تولت “القاعدة” مهمة تفخيخ الثورة بنزع الصفة الوطنية عنها، وإدخالها ضمن صراعات لا تمت إلى أهداف الثورة بأي صلة. وقدمت من جانب آخر “مسوغًا موضوعيًا” لدخول غزاة التمذهب الطائفي، فأصبحنا أمام “سنيّة سياسية متطرفة”، تقابل شيعية سياسية متطرفة، واشتعل صراع بينهما لم تكن أهداف الشعب السوري على أجندة الأول، فما بالك بالثاني، كل هذا شارك حكمًا في صناعة الـ “لا أحد”.

كان تدمير شروط الحياة الطبيعة في حلب من طيران الأسد القاتل، وتاليًا حليفه القاتل بوتين، كفيلًا بأن تخرج قطاعات كاملة من المجتمع من الخدمة، ولكن الدمار الأكبر حصل عندما أوكلت مهمة إخصاء الثورة من غربان اللون الأسود، فمقر الـ “ب” يسار الشهير يعدّ صيدنايا الثاني، إذ لم يستهدف هؤلاء سوى المتنورين وأصحاب والفكر الذي يمكن أن يبني دولة. كل ذلك كان يخدم الـ “لا أحد”.

لم يكن اسقاط حلب بوصفها أرضًا، بقدر ما كانت تمثله من أنموذج للمشروع الوطني البديل للنظام، وتكريس مفهوم الـ ” لا أحد”، بعد أن جرى تطبيق الشعار الأول “الأسد أو نحرق البلد”.

مقالات ذات صلة

إغلاق