ترجمات

الغارديان البريطانية: المفارقة الروسية، بوتين جزء من سلسلة متواصلة تعود إلى القياصرة

في تأكيد عدواني على قوة بلاده، يريد بوتين من روسيا أن تستعيد مكانتها بين الدول الكبرى التي تتنافس في ما بينها على السلطة والثروة

يحضر الناس في موسكو حفلًا بمناسبة الذكرى الثالثة لإعادة توحيد القرم مع روسيا، 18 آذار/مارس 2017. تصوير: تاس /صور باركروفت

غالبًا ما يسألني الناس عما ينبغي القيام به مع فلاديمير بوتين، وإن كان قد ظهر فجأةً، وحوّل روسيا المذعنة، والخيرة، إلى دبٍّ خبيث يصرخ. لكن بوتين لم ينبثق من العدم، فشعبيته في روسيا كبيرةٌ؛ لأنّه زعيمٌ فاعل لبلدٍ يعد نفسه قوةً عظمى. لقد دافع عن مركزه، وسمعته، واعتماده على الذات في العالم الحديث، وفي القيام بذلك، لا يزال مستمرًا بتقليدٍ لا يعود إلى القادة السوفيات فحسب، وإنما إلى القياصرة.

مثل جميع الشعوب عندما تكون في أزمة -بما في ذلك البريطانيون- يقدّر الروس قيمة القائد الذي تمكن من الحفاظ على النظام الداخلي، والأمن الخارجي.

كثيرًا ما ننسى أنّ روسيا لا تزال تمر، منذ ثلاثين عامًا الماضية، بأزمة طويلة وخطِرة، كان فيها النظام الداخلي، والأمن الخارجي ضعيفين. خلق انهيار الاتحاد السوفياتي عام 1991 حال طوارئ في أجزاءٍ انفصلت من الدولة، واندلعت صراعاتٍ خطِرة داخل روسيا نفسها. وفي عام 1993 كانت على وشك حربٍ أهلية.

في أوائل التسعينات حاولت روسيا إنشاء ديمقراطية على النمط الغربي، وسوقًا حرَّة، وتُركِن مصيرها إلى المؤسسات الدولية التي يسيطر عليها الغرب (الأمم المتحدة وصندوق النقد الدولي وغيرها)، لكن اتضح أنَّ ذلك كارثيًا؛ فسرعان ما سقط الاقتصاد الحر ضحية “القلة” الفاسدة، وفقد الروس العاديون جزءًا كبيرًا من أمنهم المادي، وبات، بالنسبة إلى كثيرين، أن “الديمقراطية” تعني استمرار عدم الاستقرار، والفقر المدقع.

وقد برزت البلاد دولةً فقيرة وخطِرة، إذ حُلَّ تحالفها العسكري، حلف وارسو، في حين أنَّ التحالف المنافس، حلف الناتو، لم يستمر فحسب، وإنما توّسع شرقًا؛ ليضم أعضاء حلف وارسو السابقين. وفي عام 1999 قصف الناتو صربيا من دون إذنٍ من الأمم المتحدة، لمنع الإبادة الجماعية ضد ألبان كوسوفو. وعدّ الروس ذلك انتهاكًا للقانون الدولي، وانتهاكًا لمجال نفوذهم التقليدي، ثم أعقبه الغزو الأميركي- البريطاني للعراق مرة أخرى، من دون تفويضٍ من الأمم المتحدة، ووصل الاغتراب الروسي ذروته مع توسع الناتو الى الجمهوريات السوفياتية البلطيقية السابقة، وإعلانه أنّه يستعد لدعوة أوكرانيا، وجورجيا، للانضمام إليه.

كان التأثير التراكمي لكل هذه الخطوات الغربيّة هو أنْ تستفز بوتين، نحو هجومٍ دبلوماسي صريح على الولايات المتحدة في مؤتمر ميونيخ الأمني في شباط /فبراير 2007؛ إذ قال: “يمثل توسع الناتو استفزازًا خطِرًا، يحدُّ من مستوى الثقة المتبادلة، وأضاف: “إنَّ الولايات المتحدة حاولت خلق عالمٍ “أحادي القطب”، فمصالحها الخاصة أبطلت القانون، والاتفاقات الدولية، وهذا أمرٌ خطِر جدًا، ونتيجةً لذلك، لا أحدَ يشعر بالأمان. أريد أن أؤكد هذا -لا أحدَ يشعر بالأمان.”

اتخذ بوتين إجراءاتٍ بناءً على ذلك، ففي آذار /مارس 2014، وردًا على ما عدّه انقلابًا مدعومًا من الغرب في أوكرانيا، احتلت روسيا شبه جزيرة القرم، وهي أراضٍ أوكرانية كانت موطنًا لأسطول البحر الأسود الروسي، بانتهاكٍ صارخ للقانون الدولي. عندما سألتُ دبلوماسيًا روسيًا عن ذلك، وافق على ذلك، لكنه أضاف: “إنّه أيضًا خرقٌ للاحتكار الأميركي لخرق القانون الدولي.”

وبحلول ذلك الوقت، بات الصراع الأساسي واضحًا بين روسيا والقوى الغربية في نظرتهم إلى الشؤون الدولية. لقد شعر بوتين، شأنه في ذلك شأن كثير من الروس، بأنَّ المؤسسات الدولية لا تستطيع ضمان أمنهم؛ لذلك، كانوا يعودون إلى عالم دولٍ عظمى في القرن التاسع عشر، تتنافس في ما بينها على السلطة والثروة.

وهكذا، عادت روسيا إلى موقفٍ عسكري وجيوسياسي شبيه بمواقف القياصرة، مؤمنةً أنَّ جميع الدول العظمى تحقق الأمن من خلال خلق ودعم قوةٍ غاشمة. في هذا الرأي، أحد الأطراف يكسب، والطرف الأخر يخسر، ولا يمكن تصوّر حالات فوزٍ للطرفين. يترتب على ذلك أنَّ للدولة الحق والواجب في تعبئة جميع موارد المجتمع؛ الاقتصاد، والثقافة، والإعلام، والعلوم، والتكنولوجيا، تُعدّ جميعًا مملوكةً للدولة، لتوظَّف في هذا التنافس بين القوى العظمى. هذا ما يعنيه بوتين عندما يتحدث عن “الديمقراطية السيادية” و “أمن المعلومات”.

من بطرس الأكبر في أوائل القرن الثامن عشر إلى نيكولاي الثاني في بداية القرن العشرين، عبّأ القياصرة قوتهم العسكرية، ومهارتهم الدبلوماسية، وأجهزة استخباراتهم؛ لخلق “قوتهم العظمى”، والمحافظة عليها بين مجموعةٍ غير مستقرة من القوى الأوروبية المتنافسة، ولا سيما بريطانيا وفرنسا وإمبراطورية هابسبورغ وبروسيا؛ لذلك هزم القيصر، ألكسندر الأول، نابليون عام 1812؛ لأنَّ روسيا تفوقت في جميع فروع الحكومة الثلاثة.

يحاول بوتين إثبات أنّ روسيا الحاضر تؤدي دورها تمامًا، كذلك في كل من الفروع الثلاثة.

ولكنْ على عكس القيصر، أضاف بوتين عنصرًا أيديولوجيًا -نسخة روسيا من القوة الناعمة. في تحالفٍ مع الكنيسة الأرثوذكسية، تنتقد الدعاية الرسمية الروسية بقسوة التعددية الثقافية، وزواج المثليين، والهجرة الجماعية، وتدعي الدفاع عن الأسرة والقيم التقليدية، ضد غربٍ منحط أضاع طريقه، ويحاول أن يُفسد روسيا. وقد وجدت وجهة النظر -هذه- صدى قويًا في الغرب أيضًا، بوصفه ردّ فعلٍ ضد “أوليغارشية” مالية دولية، تهيّمن على الاقتصاد العالمي؛ فيديسز (الاتحاد المدني المجري، وهو من أكبر الأحزاب السياسية في هنغاريا، حزب يميني متطرف، ويوصف بالفاشية الجديدة) في هنغاريا، والجبهة الوطنية في فرنسا، أوكيب Ukip (حزب الاستقلال في المملكة المتحدة، حزب شعبوي يميني) في بريطانيا، والرئيس ترامب في الولايات المتحدة. يوجد، إذا أردت، عنصر حربٍ باردة هنا؛ فقد استُبدلت الأممية الشيوعية بحركة اليمين البديل الدولية، ومع ذلك؛ فإن هذا العنصر الأيديولوجي مهم أساسًا، وليس مهيمنًا، كما كان عليه في سنوات الحرب الباردة.

بوتين ليس وحده الذي يفكر بالطريقة التي يفعلها، ومن المرجح أن يكون لدى أيّ سلفٍ آراء مماثلة. علينا أن نتعامل مع روسيا كما هي؛ فلا نُدوّر الأوهام حول ما ستكون عليه من دون بوتين. نحن بحاجةٍ إلى الدفاع عما يُفترض أن يؤمن به الغرب؛ حرية التعبير، وسيادة القانون، والديمقراطية، والدفاع عن تلك المصالح التي لا غنى عنها في أسلوب حياتنا. وبما أنّ كثيرًا من الروس -أيضًا- متعطشون لحرية التعبير، وسيادة القانون، والديمقراطية، يمكننا أن نكون حازمين في هذه المثل العليا.

وعلينا أيضًا أن نفهم، لماذا يتعاطف كثير من الروس بما يفعلون. هم يحترمون الخصوم الذين يقفون أمامهم، ولكنهم مستعدون أيضًا للحديث، ومحاولة التوصل إلى اتفاقاتٍ معهم. الجمع بين اعتقاد قويّ في أنفسنا، مع رغبة في التعاطي مع مشكلات روسيا على محمل الجد هو عملُ توازنٍ صعب. ولكنه إجراءٌ ضروري، إذا أردنا أن ننزع فتيل المواجهة مع روسيا التي يمكن أن تصبح فجأةً سيئةً جدًا بالكامل. نحن نتعامل ليس مع بوتين حرون فحسب، ولكن مع قوةٍ أوروبية رئيسة، لها وجهة نظرها في ما يجري في العالم.

 

اسم المقالة الأصلي Putin is part of a continuum that stretches back to the tsars
الكاتب جوفري هوسكينغ، Geoffrey Hosking
مكان وتاريخ النشر الغارديان، The guardian، 4/4
رابط المقالة https://www.theguardian.com/commentisfree/2017/apr/04/putin-continuum-tsars-russia
ترجمة أحمد عيشة

 

مقالات ذات صلة

إغلاق