أدب وفنون

ثلاث قصص صغيرة

نُزوح رابع

تحتَ جنونِ القنابلِ والصواريخ جاءها المخاض!

كانت مع زوجها في نزوحهما الثالث؛ فرارًا من جحيم الحرب السورية!

انتقلا من قريةٍ إلى مزرعة، إلى بيتٍ من ألواح التوتياء، التجآ إليه أخيرًا!

قبضت اللحظاتُ العصيبة بأصابعها الخشنة على عنق الرجل.

القصفُ يقترب كثيرًا، وعليهما المغادرة!

على باب بيته اجتمعتْ لمَّةُ رجالٍ من أهل النزوح، سمعوه يقول:

– آخ يا ربي لا يوجد مستشفى قريب نأتي منه بنقَّالة؛ كي ننقل المرأة!

قبض رجلٌ على يد الزوج قائلًا:

– يوجد جامعٌ قريب. تعال معي.

– ماذا في الجامع؟!

– تعال بسرعة.

في الجامع مدَّ الرجلُ يدَهُ إلى تابوت الموتى متمتمًا:

– للأسف لا يوجد غيره.

فوق أخشابه القديمة حملوها، وفي الطريق إلى نزوحهما الرابع وضعتْ مولودتها!

المولودةُ ملوثةٌ بالدم والشقاء، لكنَّ أباها وأمَّها حين سمعا بكاءَها انفرجتْ أساريرهما، وحولَ فميهما ارتسمتْ شظايا بسَمَات!

*

سُكَّر اللحظة

في لحظةِ تخاصمهما تقف كغزالةٍ غاضبة، وتدير ظهرَها إليه!

لا يدري كيف؟ ينبتُ لها على كتفيها عينانِ خلفيتان تراقبانه!

تلتقطان بأعلى دقة التعابيرَ المتلاحقة على شاشةِ وجهه! تقيسانِ سرعةَ أنفاسه، وتأهُّبَ قدميه للاندفاع نحوَها لمصالحتها، وكأنهما مقياسٌ عجيبٌ للحب، اخترعتْهُ في معمل أنوثتها!

في آخرِ خصامٍ بينهما كان على مرمى لهفةٍ منها يوشك على الاستسلام، لكنَّ عاصفةَ عناد هبَّتْ في داخله!

نهضَ واقفًا، وأدار ظهرَهُ إليها! صارا حبيبينِ ظَهْرًا لظهر، وبينهما مسافةُ مترين! شعرَ في تلك اللحظة أنه كذلك نبتَت له على كتفيه عينانِ خلفيتان تراقبانها!

تبادلت العيونُ منه ومنها النظرات، معركةٌ بصرية، وتهديداتٌ عشقية جرتْ في تلك المسافة الصغيرة!

فجأةً، -كما في معارك البراءة بين الأطفال- تغيَّرَ الموقف.

تراجعتْ هي نصفَ خطوةٍ نحوَهُ، كأنها تعلنُ حسن نية! تردد هو، ثم تراجعَ نصفَ خطوةٍ نحوَها!

بقيَ بينهما مترٌ واحد ينظر إليهما برجاء، بصراخ، باشتعال!

ببطءٍ شديدٍ ودلال اجتازتْ هي نصفَهُ، فإذا به يجتازُ النصفَ الباقي بشوقٍ جارف، كأنه اقتحام!

اصطدمَ ظهراهما -عندئذ- في قبلةٍ عذبة، قبلة هطلتْ عليها من فوق ضحكة سماوية، لا مثيلَ لسحرها!

رفعَ الحبيبانِ رأسيهما، وجدا آلهةَ الحب تُلوِّحُ لهما!

*

ضجر جثة

 

بعد انتهاء القصف، وانتشالِ الجثث بقيتْ في المستشفى على البلاط جثةٌ وحيدة، لم يأتِ أحد للتعرُّفِ إليها!

الجثةُ مقطوعةُ الأطراف، محروقٌ نصفُها من الأسفل، لكنَّ عينيها سليمتان، وفيهما ضجرٌ وغيظ.

خرجَ من العينين شعاعٌ حاد، أحدثَ ثقبًا في سقف الغرفة. من الثقب تسلل صوتُ الجثة، ومعه سؤالٌ خاص:

أنا أحمد سويدان، أعمل في بيع الخردة، أتنقَّلُ ببسطتي بين الأسواق الشعبية، قتلوني قبل قليل. هل يُشكِّل عملي خطرًا على أحد؟

* من مكتب أحد الصحافيين تلقى الصوتُ هذه الإجابة: مَنْ سيعطيكَ الجواب حلَّ به قبلَ أيام ما أصابك اليوم!

* زعيم الأمم المتحدة كان ما يزال مُتعَبًا بعد أن أبدى قلقَهُ في الأسبوع الفائت مرتين في نهارٍ واحد!

* سماحةُ رجلٍ مُعَمَّمٍ قال: ظفرتَ بالشهادة، فلا تُضيِّعْ أجرَها بشكوك الأسئلة!

* سكرتير أحد الزعماء العرب قال: إنه يهتم كثيرًا بقضايا المظلومين، لكنه اليوم منشغل بالبحث عن مكان ملائم لأحدث الأوسمة على سترته!

دارَ الصوتُ ودار، فكَّرَ في السماء، لكنَّها بدتْ بعيدةً، صامتة.

عاد من الثقب الذي خرجَ منه، سقط فوق الجثة مثقَلًا بالخيبة!

صارت حال الجثة صعبةً جدًا.. زاد ما عندها من غيظٍ وضجر. حاولتْ أن تضربَ شيئًا أو تكسرهُ، لكنها تذكرتْ أنها بلا أطراف!

حريقٌ فظيعٌ اندلع أخيرًا في داخلها، التهمَ ما بقي منها، ولمَّا حضروا لدفنها، وجدوا في مكانها حفنةَ رماد، كأنها بصقةٌ لها لونٌ أسود!

*

مقالات ذات صلة

إغلاق