مقالات الرأي

حقوق السوريين في ميزان الحروب

تُعدّ قضية حقوق الإنسان من أهم القضايا السياسية والثقافية، فحق الحياة شكّل الحلقة الأولى في استمرار الإنسان، منذ بدء أول تجمّع بشري وجدته الخليقة، وكفلته جميع الأديان وعدّته حقًا مقدسًا قبل أن تكفله القوانين الوضعية، وتكرّسه الشرعة الدولية في وثائق أممية كالإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية والبروتوكولات الدولية المختلفة والمتنوعة التي جعلت الدول التي لا تحترم حقوق الإنسان مهدّدة بالعقوبات، وبمقاطعة المجتمع الدولي؛ وحتى بالحرب.

تطور مفهوم حقوق الإنسان وحمايته مع تطور التجمعات البشرية والحضارات؛ ليعالج كمًّا كبيرًا من الانتهاكات وهدر الحقوق التي يتعرض لها بنو البشر في السلم وفي الحرب، وقد شكّلت اتفاقيات ومعاهدات جنيف القانون الدولي الإنساني المطبّق في حالات الحروب وانتهاكاتها، وعلى رأسها حماية المدنيين التي يجوز -من خلالها- إدانة الذين ينتهكون الحقوق المنصوص عليها في الاتفاقيات بتهم ارتكاب جرائم حرب وتحويلهم إلى محاكمات دولية، وجرى تشكيل كثير من منظمات حقوق الإنسان العالمية والعربية، مهمتها الأساسية خلق التوعية المجتمعية بأهمية الحقوق وتغيير الثقافة السائدة، وخلق فكر يتلاءم مع المتطلبات العصرية لحياة أفضل ومستقبل أفضل للإنسان. واعتمدت الجمعيّة العامّة للأمم المتّحدة سنة 1998 إعلان “المدافعون عن حقوق الإنسان”، ويُعرّف “المدافعون” بأنّهم الذين يعملون منفردين، أو بالاشتراك مع آخرين؛ من أجل حماية حقوق الإنسان، أو تعزيزها، وإعطائها كونيّتها؛ بعدّ الدّفاع عن حقوق الإنسان ليس حكرًا على مجموعة من “العاملين أو المختصين في مجال حقوق الإنسان”، وإنما هو مسؤوليّة الجميع، أفرادًا أو جماعات، ممن ينتمون إلى مؤسّسات رسميّة أو غير رسميّة. فإن من واجبهم السعي لتوثيق الانتهاكات ونشرها محليًا وإقليميًا ودوليًا، كذلك يسعون إلى دعم ضحايا هذه الانتهاكات ومساءلة المسؤولين عن التّجاوزات التي تسجّل الحروب أقصى حالات الانتهاكات فيها، وقد سجّلت الحرب السورية التي دخلت عامها السابع كثيرًا من الانتهاكات المتنوعة،  يوميًا، وجرى توزيع الأدوار بين قوى السّلطة الأمنيّة وميليشياتها المختلفة وداعميها، وقوى التطرف الديني وميليشياتها المتعددة التي تمارس العنف؛ لحماية مصالحها وإدامة سيطرتها، فهي جميعًا ارتكبت جرائم حرب، ولم تتوان عن ارتكاب المجازر والانتهاكات الخطِرة للقانون الدولي الإنساني، ولاقت كثيرًا من الاستنكار والإدانة، وبقيت دونما مساءلة أو عقاب.

القائمة الطويلة للانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، بدءًا من القتل بأشكاله، والحصار والتجويع، انتقالًا إلى الاختفاء القسري والاعتقال والمحاكمات الجائرة، وليس انتهاء باستخدام الأسلحة المحرّمة دوليًا، والهجمات على المدنيين التي كانت جزءًا لا يتجزأ من سياسة هذه الحرب، ولم تقتصر على القوى الداخلية المتصارعة، إنما شملت القوى الخارجية التي مارست الانتهاكات بحق السوريين، وجعلت من تنديدات المدافعين عن حقوق الإنسان منتجًا استهلاكيًا، وجزءًا من حال الترف الفكري، خصوصًا أنها لم تمنع تكرار فظاعة الانتهاكات، وآخرها الهجوم المروع بالأسلحة الكيماوية الذي تعرضت له بلدة “خان شيخون” في محافظة إدلب، فجر الثلاثاء 4 نيسان/ أبريل، الذي سارعت القوى المتصارعة على الأرض إلى نفي مسؤوليتها عن استعمال هذه الأسلحة التي راح ضحيتها 72 قتيلًا، في الأقل، من بينهم 20 طفلًا، بحسب الأرقام التي أعلنها المرصد السوري لحقوق الإنسان.

اختلف هذا الانتهاك الصارخ عن كل ما سبقه من انتهاكات بأن ردات الفعل الدولية الغاضبة تجاوزت حالة الإدانة والاستنكار والاكتفاء بتحميل المسؤولية للنظام السوري، على غرار الهجوم الكيماوي بمادة السارين على غوطتي دمشق، وخلّفت مئات القتلى من المدنيين في 21 آب/ أغسطس 2013، فمع استعار حدّة الاتهامات المتبادلة بين قوات النظام والمعارضة، لم تمض ساعات؛ حتى بدؤوا البحث عن الجاني، وكشفت المراصد العاملة في محافظتي حماة وإدلب، بحسب ما نقلته “قناة أورينت”، اسم “العقيد محمد الحاصوري” على أنه المتهم الأول بتنفيذ تلك الغارات بالغاز السام، وأطلق الجيش الأميركي 59 صاروخًا على مطار الشعيرات في ريف حمص، ردًا على استخدام الأسلحة الكيماوية ضد المدنيين في بلدة خان شيخون. بعيدًا عن تداعيات الهجوم وعلاماته ودلالاته بالنسبة إلى الإدارة الأميركية الجديدة ولجميع الأطراف المشاركة في الحرب السورية، وعما لاقته هذه الضربة من التأييد من بعض من رأوا أنها ستضع حدًا لاستخدام النظام الأسلحة المحرّمة، أو من الاستنكار وعدّها من بعضهم تكرارًا لسيناريو العراق الذي استعملت فيه أميركا الأسلحة المختلفة المحرّمة، ولم تتعرض للمساءلة، لا يمكن عدّها -فعلًا- الطريق لإنقاذ الشعب السوري من براثن حرب تفنيه بكل الطرق والوسائل؛ فالحرب لا ولن تنهيها حرب.

اقتصار الإدانات والشجب، وربط التحرك الدولي بإيقاع استخدام السلاح الكيمياوي، وعدّه الوحيد الذي يتطلب الردّ أو الردع، لدليل على فشل هذا المجتمع الدولي بإيجاد السبل الكفيلة بللحدّ من الحروب؛ فبدل العمل ووضع الأسس القانونية والحقوقية لسبل إدانة الجريمة، عليه العمل لمنع وقوعها أو إنهائها، فالحرب -بحدّ ذاتها- جريمة ترتكب كل لحظة بحق المدنيين، وما يقدم من ردات فعل استعراضية؛ لإيقافها يرمي حق الإنسان بالحياة و”مكرمة” العدالة الدولية التي تسمح بمقاضاة الجناة نحو الهاوية.

مقالات ذات صلة

إغلاق