ترجمات

جريدة الليبيراسيون الفرنسية: سورية: “لم يكن بإمكان ذلك الهجوم الكيماوي إلّا أن يؤدي إلى مجزرة”

الصورة: أحد أفراد الخوذات البيض السوريين يتنفس بقناع أوكسجين بعد وقت قليل من تدخله في موقع هجوم محتمل بغاز السارين، في خان شيخون السورية. عمار عبد الله/ رويترز.

بعد الضربات التي وجهها النظام السوري الثلاثاء، في 4 نيسان/ أبريل 2017، ضد قرية خان شيخون، يحدثنا الطبيب الفرنسي رافائيل بيتّي، الناشط في مجال تهيئة الأطر (الكوادر) الطبية السورية، عن تفاصيل العناصر السامة للأعصاب.

لقد زار رافائيل بيتي، الطبيب العسكري الفرنسي السابق، سورية 18 مرة منذ بداية الحرب فيها قبل ست سنوات، وذلك برفقة “اتحاد منظمات الإغاثة والخدمات الطبية (UOSSM)”، بغية نقل معرفته لأطباء وممرضين ومسعفين. لقد مر 8.000 سوري في مراكزه التعليمية، غالبًا بالخفاء؛ وقد كان كثيرون موجودين في خان شيخون في تلك الثلاثاء، وتحدث رافائيل بيتي معهم طوال اليوم بعد الهجوم الكيماوي على القرية.

  • ما المعلومات التي حصل عليها الأطباء السوريون الموجودون في أماكن الضربة؟

منذ الساعة السابعة صباحًا، بدأ أطباء موجودون هناك بنشر معلومات عن الهجوم على منصّة إلكترونية خاصة بـ (UOSSM)، ولم يكن أصحاب الخوذات البيض الموجودون في مكان الحدث يشكّون في أنه الأسلحة الكيماوية استُخدمت. ولأنهم لم يكونوا يرتدون أي لباس حماية، فقد تعرضوا أنفسهم للإصابة. قال هؤلاء المسعفون، أيضًا، إنهم شاهدوا طائرات سوخوي-22 المقاتلة تمر مرتين، وأنها ألقت صواريخ فوق حي سكني في المدينة، وقع في إثرها انفجاران.

  • في رأيكم، هل ما حصل كان هجومًا كيماويًا؟

من الواضح أنه قد استُخدم غاز سامّ للأعصاب؛ إذ تنسجم جميع الأعراض السريرية مع تلك الفرضية: فرط تنبيه الجهاز العصبي الذي يؤدي إلى غيبوبة، والتضيق الحدقي الشديد غير المستجيب للتنبيه الضوئي، تثبيط الجهاز التنفسي، وتحريض المفرزات الفموية (اللعاب) الذي يزيد من خطورة الاختناق العميق مع نقص الأوكسجين، والاختلاجات العضلية الدائمة (وكأن الضحايا يضربون بأجنحتهم)، وآلام البطن والإسهال والإمساك، تلكم هي جميع الأعراض التي يسببها غاز السارين.

أما الكلور الذي كثيرًا ما استخدمه النظام السوري، فهو ليس بالسام عصبيًا، وينجم عنه الضيق التنفسي فحسب، ويقود إلى وذمة رئوية حادة، وذلك بتدميره الأسناخ (الخلايا) الرئوية، وله رائحة مميزة قريبة من رائحة “الجافيل”.

  • ولكن أفاد بعض الشهود بأنهم قد شمّوا رائحة خاصة

يستخدم مزيج من الكلور وغاز السارين سلاحًا كيماويًا (كانت مديرية صحة إدلب قد أكدت استخدام مزيج من الغازين، ملاحظة التحرير)، هذا ما قد يفسر تلك الرائحة، لأن غاز السارين عديم الرائحة، إضافة إلى أن تطايره الشديد يجعله شديد الخطورة، ويصعّب من اقتفاء أثره. وحين يُرسل في قنابل أو في صواريخ وهو في حالته السائلة، يتحول ذلك العنصر السام عصبيًا إلى غاز لحظة الانفجار، ومن ثم؛ ينتشر في الهواء، ومن الممكن أن تتناثر قطيرات منه على الأشخاص المحيطين لحظة الارتطام في الأرض، وعندها يخترق السائل الجلد مسببًا الموت السريع. إنما غاز السارين، الأكثر سمّية من السيانيد بـ 500 مرة، يعدّ قاتلًا للإنسان بجرعات صغيرة جدًا، ومن الممكن للشخص، إن لم تعالج إصابته، أن ينقل العنصر السام إلى الآخرين عن طريق التماس.

  • ما الدلائل المتبقية لاستخدام تلك الغازات في حال كونها شديدة التطاير؟

توجد الآثار الرئيسة لتلك الغازات في أجساد الضحايا؛ في دمائهم وشعورهم وأبوالهم. إضافة إلى أنه بإمكاننا أن نجد بقايا تلك العناصر السامة للأعصاب في التربة في مكان إلقائها، وفي بقايا الذخائر، ولهذا السبب طلبت من الأطباء الموجودين في المكان أن يقوموا، مباشرة، بأخذ العينات. (أكدت منظمة الصحة العالمية التعرض لعناصر سامة للأعصاب في نهاية يوم الأربعاء 5 نيسان/ أبريل 2017. ملاحظة التحرير.)

  • كيف استطاعت الطواقم الطبية تقديم العناية للضحايا؟

تجاوز ما حصل طاقتهم، ولم تكن لديهم المعدات الخاصة؛ لإزالة آثار الهجوم الكيماوي من الضحايا. لعكس آثار السارين، يلزم توافر ثلاثة علاجات: جرعات عالية من الأتروبين؛ لعلاج الاختناق، والفاليوم لعلاج الاختلاجات، والكونتراثيون ترياقًا. كانت المخازن فارغة من أول علاجين، أما العلاج الثالث فهو غير متوافر مطلقًا في المنطقة. وفي تلك الأوضاع، لم يكن بإمكان تلك الهجمة الكيماوية إلّا أن تؤدي إلى مجزرة.

لم تُتبع الآليات الخاصة بعلاج الهجمة الكيماوية؛ والشيء الوحيد الذي حصل عليه الضحايا هو الغسيل المكثف بالماء، وهم ملقون على الأرض، ومن الممكن أن تؤدي تلك الممارسة إلى نتائج خطرة؛ لأنها تؤدي إلى تبريد المرضى المصابين، سلفًا، وجعلهم في حالة صدمة. ولمعاكسة حالات الاختناق، غالبًا ما جرت عمليات التنفس الصناعي اليدوية؛ إذ لم يكن لدى الطواقم الطبية إلا القليل من المنفسات الكهربائية.

وُزِّع الضحايا كثيري العدد في مستشفيين في جنوب إدلب، وفي إدلب، وأنشئ مركزا إغاثة موقتان للدعم. وأُرسل أكثر المصابين خطورة إلى باب الهوى، ولكن الحدود التركية أُغلقت أمامهم عندما رأى حراس الحدود أنهم ضحايا الأسلحة الكيماوية، وكان من الواجب انتظار إعداد آلية خاصة؛ للتمكّن من الاعتناء بالضحايا.

أما في خان شيخون، فقد تعرض مستشفى الرحمة للإصابة بقذيفة سقطت على مقربة منه، وأدت إلى تعطيل الخدمة فيه، كذلك تعرض مركز الخوذات البيض -أيضًا- للأذى. وفي الأربعاء 5 نيسان/ أبريل، قررت خلية الأزمة في وزارة الخارجية الفرنسية إرسال مئة من معدات الحماية ضد الأسلحة الكيماوية، عبر UOSSM، ومخازن من الأدوية والترياقات. كان ذلك الإجراء -بكل تأكيد- متأخرًا جدًا، ولكنه مفيد في هجوم مقبل.

  • في رأيكم، هل تتمتع النظرية الروسية، القائلة بأن النظام السوري قد قصف مستودعًا للأسلحة الكيماوية التابعة للثوار، من دون أن يعرف بوجود العناصر السامة للأعصاب فيها، بالصدقية؟

لنستعرض أسس تلك النظرية، لو كان ذلك المستودع موجودًا بالفعل، وكان فيه غاز السارين، لكان ذلك الغاز مخزنًا في حالته السائلة في حاوياتٍ، أو في قنابل وصواريخ سُرقت من النظام السوري؛ إذ يُعدّ احتمال تصنيع الثوار الغاز بأنفسهم ضئيلًا جدًا. ولانتشار الغاز، بالطريقة التي انتشر فيها، كان لا بد من أن يدمر الانفجار تلك الحاويات، وأن يتعرض السائل، بعدئذ، للتسخين لدرجة تتجاوز 147° سيليزيوس؛ كي يتحول إلى غاز. كان من الممكن أن يتسبب حريق كبير بذلك، ولكن في تلك الحال، كان لا بد للشهود من أن يكونوا قد سمعوا ورأوا صدى انفجارات ضخمة وحريقًا؛ ما ستكون مشاهدته ممكنة بالأقمار الصناعية أيضًا. ولكن يبدو أن الحال لم تكن على تلك الشاكلة، وإلّا لنجم عنهاـ أيضًا، عدد أكبر بكثير من الضحايا.

 

اسم المقالة الأصلي Syrie: «Cette attaque chimique ne pouvait que provoquer un massacre»
الكاتب سيليان ماسة وأود ماسيو

Célian Macé et Aude Massiot

مكان النشر وتاريخه جريدة الليبيراسيون الفرنسية/ 5 نيسان/ أبريل 2017
رابط المقالة http://www.liberation.fr

/planete/2017/04/05/syrie-cette-attaque-chimique-ne-pouvait-que-provoquer-un-massacre_1560802

 

ترجمة أنس عيسى

Author

مقالات ذات صلة

إغلاق