أدب وفنون

الرفيق قُمبُز

أهدافنا: وحدة- حرية– اشتراكية.

هكذا كتب على اللوح “السبّورة” الرفيق “ديّوب”، مُوَجِّه مدرسة الثورة الإعدادية في إدلب؛ وكنّا نقلِبُ بَاءَ كُنيَتِهِ: سِينًا. وهكذا أضاف الرفيق “دَيُّوس” بخطٍ مثل خرابيش الدجاج: أمّة عربية واحدة- ذات رسالة خالدة، مُلتفتًا إلينا؛ ونحن واقفينَ في مقاعدنا بلباسٍ زيتيٍ غامقٍ؛ مُوَحَّدٍ للجميع، مِن نوعيَّةِ “الخاكي” ذاتِه الذي ارتداهُ مَن انسحبوا كيفِيًّا من الجولان في نكسة حزيران “يوليو” 1967؛ حين أعطاهم الأمرَ وزيرُ الدفاع -آنذاك- حافظ الأسد، ثمّ انقلبَ على رفاقه مُتّهِمًا إيّاهم بأنهم سببُ الهزيمة. وقد أسمى انقلابَهُ: الحركة التصحيحية، فلمّا صار رئيسًا باستفتاءٍ شعبي وبصلاةِ استسقاءٍ بلغت 99 فاصلة 99 ميليمترًا من المطر؛ قَرَّر أن يرفدَ صفوفَ حِزبِ البعث بدمائنا الطازجة؛ نحنُ طلّابُ المرحلة الإعدادية، قبل أن يزورَ صديقَهُ الكوريَّ الشماليّ “كيم إيل سونغ”، فيرى على طول الطريق بين المطار وبين قصرِ الضيافة، رتلًا طويلًا من الأطفال والطفلات الكُوريَّات، بلباسٍ مُوَحَّد، حاملينَ أعلام كوريا موريا سوريا.. يُلوِّحون بها فَرِحينَ مُبتهِجِين، فَلَوَّحَ لهم بسعادةِ غامرة؛ سائلًا صديقَهُ عن هؤلاء الزغاليل، فقال الرفيق الأبديّ، كيم إيل سونغ، للرفيق القائد حافوظ الوحش:

– هؤلاء طلائعُ ثورتنا المجيدة.

فلمَّا عاد الرفيق حافوظ من أقصى الشرق، أمرَ بتشكيل: طلائع البعث.

أمّا الرفيق ” دَيُّوس” فصاح بنا:

–  ردُّوا ورائي: أمَّةٌ عربيةٌ واحدة.. ذاتُ رسالةٍ خالدة.

فَرَدَّدنا وراءَه.. ثمَّ أضفتُ بسخريةٍ: آمين.

رمقني الرفيق دَيُّوس بغضب وصاح أيضًا:

– أهدافنا.. وحدة – حرية- اشتراكية.

وحين ردّدناها وراءَه، ابتسم لنا المُوجِّه “ديّوس”:

– مبروك يا رِفاق. منذ اليوم أنتم مُؤيِّدون لحزب البعث؛ وبعد عامٍ ستكونون أنصارًا؛ ثمّ أعضاءً عاملين.
لم يكن وقتذاك قد عُمّمت العبارة الأسديّة التي أكملها مِن بَعدِنَا مئاتُ آلافِ الطلاب السوريين: “قائدنا إلى الأبد.. الأمين حافظ الأسد”.
ما إن خرج الرفيق “ديّوس” من أول درسٍ لنا في المرحلة الإعدادية؛ ودخل أستاذ اللغة العربية “عبد المجيد هُمّو” وكان ناصريًا؛ حتى امتشقَ مِمحَاةَ اللبَّاد، فمَحَى عبارة: وحدة حُريّة اشتراكية؛ وكتبَ بدلًا منها: حريّة- وحدة – اشتراكية؛ ثمّ ابتسمَ هامِسًا بصوتٍ خَفِيض: – هذا هو الترتيب الصحيح! وكنتُ قد سَمِعتُهً يَسُبُّ حزب البعث “بالصاد، بدلًا من حرف السين” وينصح أبي بالانتساب إلى الاتحاد الاشتراكيّ الناصريّ؛ فيُجِيبُهُ والدي: – أنا أحبُّ عبد الناصر؛ لكنّي أكرَهُ حِزبَهُ وصِهرَه المُشير ومكتبَ استخباراته الثاني الذي أورثنا كلَّ هذا البلاء الأمنيّ.
حكيتُ لوالدي ما جرى من تَعمِيدِ الرفيق ديُّوس لنا، بماءِ البعث المُقدَّس؛ فأعطاني فرنكًا سوريًا مَعدنيًّا من فئة ال 5 قروش؛ قال: – اشترِ قُنبزًا للعصافير من عند جارنا أبو عبدو الحَفسَرجَاوِي.

فلما جئتهُ بِقَامُوعٍ من الورق وفيه القُنبُز؛ قال: – سَلِّم على الرفيق ديّوس؛ وقُل له أن يَمُرَّ عليّ.

 

ذَكَّرتُهُ ثلاثًا قبل أننأن يَمَرَّ مُوجِّهُ مدرستنا بِدُكّان والدي؛ مُتباهيًا بالوسام الذي علّقته القيادة له على جاكيته الكُحليِّ الكاحِتِ، من شِدَّة نِضَالِه القوميّ. فتح والدي قاموعَ القُمبُز، داعيًا الرفيقَ الديّوس.. لِقَرقَطَتِه.
فاستشاط المُوجِّه غضبًا: – مَانِي عصفور.. أنا!

ردَّ والدي: – وليس ابني عصفورًا لتسجنه في قفص؛ إذا لم تشطِب اسمَه من قوائمِ المُؤَيِّدين؛ سأُعلِنُ لقبك بينَ كُلِّ أهل البلد: “الرفيق قُمبُز”، وتعرِف ماذا سيجرُّه اللقب من تعليقاتٍ عليك. فاستغاث الموجّه:

– والله صعب يا أبو نجيب.. صار اسمُه بفرقة الحزب، بَس أوعدك -بشرفي الحزبي- أن أغُضَّ النظر؛ فلا أُرَشِّحُه ليصيرَ نصيرًا للحزب؛ بشرط ما تقول هاللَقَب لأيِّ مخلوق.
وَعَدَهُ أبي، وقد أوفَى بوعده، لكنِّي سَرَّبتُ اللقبَ، فانتشرَ كالنار في الهشيم؛ حتى وصلت أصداؤه إلى القيادتين القوميّة والقطريّة لحزب البَعث العربيّ الاشتراكيّ، فاجتمعت القيادتان على نحوٍ طارئ؛ وأصدرتا فرمانًا بمصادرة كُلِّ محصول القُمبُز لصالح الدفاع الشعبيّ، عن الوطن والقائد، وبِحَبسِ كلِّ عصافيرِ سورية في لباسٍ مُوَحَّد، وضَمِّهِم طَوعيًا وبلا إكراهٍ، إلى المنظماتِ الرديفةِ للحزب؛ حتى صِرنا نتشهّى رؤيةَ عصفورٍ خارجَ السرب!. .

مقالات ذات صلة

إغلاق