سورية الآن

عصافير “توماهوك”

ما بعد الضربة الأميركية في سورية لن يكون كما قبلها. المقولة لا تتوقف عند ما يحدث على الساحة السورية بشكل أساسي، على الرغم من أن العملية العسكرية جاءت رداً مباشراً على مجزرة خان شيخون التي نفذت بالأسلحة الكيماوية، بل إن لها أبعاداً تتخطّى هذه الحدود إلى الفضاء العالمي، ولا سيما في ظل الفراغ الذي خلفه انسحاب الإدارة الأميركية السابقة من الملفات الدولية، أو عدم التصرّف بفاعلية فيها. اليوم، يبدو أن هذا الفراغ في طريقه إلى الامتلاء مجدّداً، بعدما حقق الرئيس الأميركي الجديد، دونالد ترامب، قاصداً كان أم لم يقصد، مجموعة من الأهداف، وأرسل كمية من الرسائل عبر زخّة “توماهوك”، والتي يمكن القول إنها أسقطت كمية من العصافير في ضربة واحدة.

بعيداً وقريباً من الساحة السورية، العصفور الأول، وربما الأساسي، هو الإشارة إلى أن “الشرطي” الأميركي عاد إلى أرض الملعب، ولا بد من الآن وصاعداً أن يحسب له حساب في أي تحركات تجري مستقبلآً على الساحة الدولية، التي لعبت بها روسيا منفردة خلال السنوات القليلة الماضية، بعدما اختارت الإدارة الأميركية الابتعاد عن المواجهة القاسية في علاقتها مع موسكو، وركنت إلى عصا العقوبات والدبلوماسية الناعمة التي لم تؤت أكلها، بل ساهمت في زيادة النفوذ الروسي وتمدّده، وصولاً إلى الساحة الأوروبية.

الأمر اليوم من الواضح أنه يسير في خط آخر، بعدما اختار ترامب تحدّي “الفيتوهات” الروسية في مجلس الأمن، والتحرّك منفرداً على الأرض السورية، في تأكيد أن حقبة أوباما انتهت إلى غير رجعة، وأن لدى سيد البيت الأبيض الجديد رؤية مختلفة جداً لإدارة ملفات المنطقة. ولا يتوقف الأمر بالضرورة عند سورية، فحجر “توماهوك” موجه أيضاً إلى إيران وكوريا الشمالية، إضافة إلى سائر الدول والمنظمات التي تصنفها الولايات المتحدة “مارقة” أو “إرهابية”.

ومن الواضح أن الرسالة هذه وصلت إلى الأطراف “المعادية” والحليفة أيضاً، فالضربة كشفت عن عجز روسي عن الرد، وهو ما كان يقيد أوباما في السنوات الماضية، مخافة الدخول في حربٍ عالميةٍ مفتوحةٍ لا تقتصر على سورية. إذ تمترست موسكو خلف الإدانات في المرحلة الأولى، وبات واضحاً أنها تخشى الدخول هي أيضاً في المواجهة، وتفضل انتظار ما ينوي سيد البيت الأبيض القيام به، وما هي الخطوة اللاحقة التي قد يقدم عليها. الأمر نفسه، وإن بدرجة أقل بالنسبة إلى إيران، ولا سيما أن روسيا تبدو المستهدف الأول.

على المقلب الآخر، أعطت الضربة الأميركية جرعاتٍ معنويةً عاليةً لـ “الحلفاء”، وهو ما توضح من التصريحات المتلاحقة للمسؤولين في تركيا وفرنسا وألمانيا وبريطانيا، حتى إن وزير الخارجية البريطاني، بوريس جونسون، سار في خط تصعيدي بإلغاء زيارته إلى موسكو، في خطوةٍ قد تتبعها خطوات باتجاه تعزيز القطيعة والمواجهة مع موسكو.

إضافة إلى هذه الأهداف، أو العصافير التي اصطادها ترامب بزخة “توماهوك”، هناك أهداف داخلية أيضاً، ولا سيما في ما يخص التهم التي يواجهها فريق حملته الانتخابية، ووضعته في خانة التحالف والتنسيق المباشر مع روسيا، وهو ما أدى إلى استقالة عدد من أفراد فريق إدارته. الضربة والمواجهة القائمة حالياً، تصب في سياق نفي هذه التهمة، وتبرئة ساحته من كونه “دمية بوتين”، كما كان يحلو للإعلام في الولايات المتحدة وصفه. ويمكن القول إن الهدف تم تحقيقه، بعدما بات حديث الصحافة الأميركية هو مواجهة ترامب وبوتين.

من الواضح أن صواريخ “توماهوك” لم تصب مطار الشعيرات فقط، بل كانت لها أهداف بعيدة المدى، تؤسس لمرحلة جديدة من العلاقات الدولية، عنوانها “العودة الأميركية”.

(*) كاتب لبناني

مقالات ذات صلة

إغلاق