كلمة جيرون

التغيير ليس نهاية التاريخ

لا أدري ما الذي يضير الموالين للنظام إذا فكر معارضوه باستبدال حكم الاستخبارات الجائر، بحكم القضاء النزيه والمؤسسات الأمنية المستقلة، حيث يسود العدل مكان الظلم، وتسود المساواة مكان التمييز والتعسف؛ وحيث يسود القانون وتُحترم إنسانية اﻹنسان وحقوقه في الحرية والعيش الكريم!

هل أصبحت موالاة الظلم أفضل من موالاة العدالة، والانحياز أفضل من الحق والإنصاف، وشريعة الغاب أفضل من شريعة الحياة المدنية؟ هل صارت سرقة المال العام والفساد والرشوة والمحسوبيات، التي عانينا منها جميعًا، تبزّ الشفافية والمحاسبة والعقاب؟ هل بات حكم الزعيم الواحد والحزب الواحد واللون الواحد مقبولًا حقًا -لدى الموالين- أكثر من عدالة التغيير وتداول السلطة والتنوع؟ وما الذي يمنع أن تسود حرية التعبير والإعلام المستقل والصدق والنزاهة والمسؤولية، مكان الخوف وكم اﻷفواه والصمت والكذب والغدر؟ هل أصبح الكلام رذيلة والزيف فضيلة والرأي جريمة والضمير الحي غباء؟ من منا لا يتوق إلى قول الحقيقة؟ من منا ومنكم، لا يكره الكذب ويمقت الخوف ويتوق إلى الحرية؟ هل بات أخي يستمرئ العبودية حقًا ويتعايش مع الجوع والخنوع؟ هل أصبحت القيم اﻹنسانية الجميلة مستنكرة لديه، وبات الشر والقباحة والفساد واللصوصية وجهة نظر عنده!؟

نحن شعب واحد عشنا في وطن واحد، تحت ظل أنظمة واحدة فاسدة. سماؤنا واحدة مفعمة بأنفاسنا وترابنا واحد، رويناه بعرقنا ودمائنا، وثقافتنا وتاريخنا وعاداتنا وتقاليدنا ومستقبل أولادنا واحد.. رضعنا سويًا، مع حليب أمهاتنا، القيم الاجتماعية والإنسانية النبيلة، وتربينا معًا، على فعل الخير وحب الوطن وقيم العدل والتسامح والوفاء والكرم والصدق والحرية والجمال واﻹيثار والأمانة… من منا يقبل الضيم والذل، من!! من منا رباه أهله ليكون مجرمًا أو لصًا أو مستبدًا أو مستغلًا، أو عبدًا بلا كرامة أو سيدًا غليظًا بلا رحمة! حتى اﻷنانية مكروهة لدينا، معتقداتنا السماوية والأرضية تدعونا إلى مكارم اﻷخلاق، وقد أوصتنا وأمرتنا أن نكون عادلين صادقين أحرارًا أوفياء لقيمنا وقيم أنبيائنا وأجدادنا، ندافع عن الضعيف حتى يقف، وننتصر للمظلوم حتى ينتصر، ونقف مع الحق ضد الباطل، ونفضل الموت على الذل والإهانة، ونفدي وطننا وأهلنا بأرواحنا… فماذا حدث حتى تخلينا عن ثقافتنا وفطرتنا وقيمنا الاجتماعية والوطنية والإنسانية المغروزة فينا أبًا عن جد!؟

لا أصدق أن الحذاء أصبح أهم من الإنسان، وأن الكرسي أهم من البلدان!؟

إن كنت يا ابن أمي، تحب هذا النظام أو ذاك، فلك ذلك، لكن تذكر أن اﻷنظمة زائلة، ونحن -أنا وأنت- باقون، جيلًا بعد جيل. نحن الشعب السوري العظيم بجميع أطيافه ومكوناته؛ الشعب الذي لا يموت ولا يقهر. فلنتوقف لحظة عن الحرب ونفكر معًا في واقعنا المنكود ومستقبلنا المنشود، بعيدًا عن الأحقاد والتنابذ والعقائد المتعصبة وألعاب السياسيين الذين أرادوا تفريقنا وزرع الخوف والقلق في صدورنا، عن طريق الدعايات المغرضة والجبهات المشبوهة (السياسية والعقائدية والمذهبية) ولغاية واحدة؛ هي استعبادنا وتفتيت وحدتنا الوطنية، وجعلنا وقودًا لمعاركهم الأنانية المتوحشة.

أهكذا فجأة يتحول شعب آمنٌ مسالم ومطيع، إلى مجموعات إرهابية!؟ أليست السياسات المغلوطة هي التي قادته إلى الثورة؟ أليس من حق الشعوب أن تثور، وأن تتطور، وتطور أنظمتها وتستبدل حكامها؟ أليس من حقها أن تتجدد وتبرز أفضل ما لديها؟ إنه حق تكفله الحتميّة التاريخية والشرائع البشرية وقوانين الحياة. ألا نتعظ من عبر التاريخ وتجارب الشعوب المستعبدة التي عشقت طغاتها، وكانت مستعدة للموت من أجلهم؟ الطغاة الذين قتلوا مئات الآلاف، بل مئات الملايين من أهلهم، أمثال موسوليني وستالين وهتلر وفرانكو وبينوشيه وبل بوت؛ ومن سبقهم من فراعنة مصر وملوك فارس واليونان والرومان وخلفاء المسلمين؛ الأمراء والملوك والسلاطين؛ أمويين وعباسيين ومماليك وعثمانيين، وغيرهم من أنظمة عسكر وأحزاب شمولية… ألم تكن شعوبهم هي حطب حرائقهم وعقائدهم وسياساتهم! وهل تستحق العقائد كل هذا القتل والتدمير والتشريد والعذاب!؟ لقد عانت البشرية كلها، عبر تاريخها المديد، من كوارث التغيير والانتقال السياسي، ودفعت الثمن غاليًا، مع أن هذا الانتقال ليس نهاية التاريخ، بل هو مسألة تغيير لا أكثر، تعدّها الأنظمة المستبدة نهاية العالم؛ لأنها تعني نهاية عهدها، وتعدّها الشعوب الطموحة بداية لتاريخ جديد ترسمه بيدها. وإذا كان التاريخ لا يكرر نفسه -وهذا صحيح- فهو كذلك؛ ﻷن الشعوب تتعلم ولا تكرر أخطاء من سبقوها. فهل بتنا غير قادرين حتى على الاستفادة من تجارب الأولين؟!

إنها دعوة صادقة لشعبنا السوري، بفئاته ومكوناته، وبخاصة أولئك الذين ضحوا بأولادهم وفقدوا أرزاقهم وبيوتهم، أن يقفوا صفًا واحدًا ضد الحرب، ويواجهوا هذه الكارثة وتبعاتها التي حلت بهم، ويهبّوا –دفعة واحدة- لبناء سورية المستقبل، سورية الواحدة الموحدة الحديثة الحرة، التي لا يحكمها استبداد ديني ولا سياسي، ولا يتحكم بها روسي أو أميركي أو سعودي أو إيراني أو تركي، بل يحكمها شعبها الأزلي. فهي إما أن تكون وطنًا واحدًا حرًا لجميع السوريين أو لا تكون أبدًا.

مقالات ذات صلة

اقرأ أيضاً

إغلاق
إغلاق