مقالات الرأي

العلمانية أسلوب حياة وليست إلحادًا

كما أن رقم الصفر يحيلُ الرقم واحد إلى الرقم عشرة، فإن النقطة في اللغة العربية التي تشبه الصفر تخلق فارقًا كبيرًا في المعنى، عندما توضع -مثلًا- فوق حرف العين في كلمة: عرب، لتصبح: غرب، وهي كلمة ذات مدلول مختلف جدًا. الاختلاف بين العرب والغرب ليس في لفظ الاسم فحسب، أو في الجغرافيا وحسب، وإنما -أيضًا- في الثقافة والمعايير التي يعتمدها الناس على ضفتي البحر الأبيض المتوسط المتقابلتين، وأيضًا على ضفتي المحيط الأطلسي، إذ يتقابل المغرب العربي، كمشرقه، مع دول الغرب. كلمة “عَلمانية” أو “عِلمانية” عند معظم المسلمين في الشرق تساوي الإلحاد، وتعاكس بالمطلق كلمة دينية، بينما يفهمها المتدين في الغرب على أنها نظام وضعي، يلبي حاجات الناس في الأرض وليس في السماء، وهو لا يجدها متعارضةً مع تدينه أكان مسيحيًا أم مسلمًا أم يهوديًا. أجيال متعاقبة في الغرب خاضت حروبًا صليبية خارج حدودها تحت راية الصليب، عندما كان بابا الفاتيكان يحكم بأمر الله، بعدّه بديلًا أرضيًا عنه. إضافة إلى أنها ذاقت مرارة العبودية والقهر والاستغلال تحت سلطة الكنيسة المتعاونة مع سلطتي: الملوك والإقطاع. الثورة الفرنسية التي سادتها مرحلة من الاضطرابات، استمرت من عام 1789 إلى عام 1799، وانتهت إلى إحداث تغييرات عميقة في بنية السلطة ووظيفتها، وانتقلت بها من الكنيسة وقصر الملك إلى البرلمان والشارع. كان شعار الثورة الفرنسية: “اشنقوا آخر ملك بأمعاء آخر قسيس”، وتحت ذلك الشعار حُرقت الكنائس، وقُتل القساوسة، وقُضي على النفوذ الكاثوليكي المتحالف مع القوى السياسية الرجعية والإقطاعية. مصطلح الـ “عَلمانية” (بفتح العين) كان هو التعبير الملائم عن إرادة الثورة، وهو تعبير لا علاقة له بمصطلح العلم، كما يتبادر إلى الذهن. وبحسب د. أحمد إدريس الطعان، الأستاذ في كلية الشريعة؛ فإن كلمة: الـ “عَلمانية”، هي الترجمة الدقيقة في اللغتين الفرنسية والإنكليزية لكلمة: اللادينية أو الدنيوية أو ما كانت علاقته بالدين علاقة تضاد. مرة أخرى تُغير حركة النصب (الفتحة) مفهوم الكلمة في اللغة العربية كما تغيرها النقطة. الـ “عِلمانية” (بكسر العين) هي الكلمة المشتقة من العلم، ولا تتعارض، مفهومًا، مع الدين وفق رجال الدين أنفسهم. هنا في أميركا التقيت بعلماء في مجالات الهندسة والطب والفيزياء يذهبون إلى قداس الأحد أو صلاة الجمعة، ولا يجدون أيَّة قطيعة بين العلم والدين. بل إنهم يعتبرون الدستور الأميركي يلبي طموحهم في الحرية والعيش الآمن، ولا يرغب المسلمون منهم في المطلق عودة الخلافة الإسلامية. الـ “عَلمانية” أي الـ “لا دينية” التي اتخذتها دول الغرب أسلوب حياة لم تدر ظهرها للدين أو تصارعه كما حدث في فرنسا لفترة محدودة ولأسباب مفهومة، بل على العكس من ذلك أفسحت في المجال ولكل الأديان أن تنشط وتمارس طقوسها وتبشيرها في دور العبادة وفي أوساط المجتمع بحرية مطلقة. ويستطيع أي مبشر ومن أي دين أن يعتلي منبرًا في الشارع ويخطب في الناس داعيًا للدخول في دينه، كما أن منهم من يطرق أبواب الناس في بيوتهم ليعرض عليهم كتابه المقدس هدية مجانية.ويستطيع المتدينون إنشاء منظمة أو حزبٍ يحمل اسم دينهم، ويستطيعون خوض الانتخابات وتمثيل جمهورهم في البرلمان، وكذلك في الوصول إلى أعلى منصب في السلطة، لكنهم في الوقت نفسه لن يتمكنوا وفق الدستور العَلماني من الحكم باسم الدين. إن سبب عداء معظم المسلمين في بلادهم للنظام العلماني هو تلك التجارب المريرة التي عاشوها في ظل سلطات ديكتاتورية ادعت تبنيها لعلمانية الغرب فعملت على فصل الدين عن الحياة، وليس عن مؤسسات الدولة والحكم! بمعنى أنها أرادت أن تبعد الإسلام -دين الأكثرية- عن الحياة، كما يقول المفكر محمد صادق أمين في موقع (مطارحات ثقافية) لأن منظريها يعتقدون أن الغرب تقدم بسبب الخصام مع الدين وإقصائه من الحياة! لذلك، حرصوا على نشر الإلحاد، والكفر، أو نشر الرذيلة والفجور، وكل ما يخالف تعاليم الدين، وكأن ذلك مرتقى الوصول للتطور بحسب فهمهم.ثم صنعوا فراعنة أخذوا مكان الإله، حكمًا، وتشريعًا، مثل: (بورقيبة) في تونس، و(القذافي) في ليبيا، و(صدام) في العراق، و(عبدالناصر) في مصر، و(الأسد) في سورية. العلمانية الغربية بنت مؤسسات للمجتمع المدني، ومؤسسات للحكم ساهمت في بناء المجتمع، ونشر الفضيلة، وإقامة دولة العدل. بينما في بلاد العرب مارست السلطة القمعية أنواع الظلم باسم العلمانية وأسهمت في تكريس التخلف، ما أدى إلى تأخرها عن ركب الحضارة الإنسانية. الـ “عَلمانية” الغربية أنتجت شريعة حقوق الإنسان التي قضت على التمييز العنصري بأشكاله، وفرضت قيم المساواة والعدل بين أفراد الشعب كافة، وبين الشعب والسلطة، إذ لا يستطيع رئيس الجمهورية تخطي الدور في المتجر، ولا تجاوز إشارة المرور، ولا التكسب غير المشروع من خلال سلطته. بينما يستطيع موظف أمن في دولة عربية علمانية خرق كل القوانين دون محاسبة. المرأة في الغرب تستطيع أن تتعرى إلى حدود معينة، كذلك تستطيع أن تتحجب إلى حدود معينة. في دول الغرب لا يمكن لأي شخص أن يحتسي الخمر خارج بيته أو خارج الحانة أو المطعم، بينما يستطيع المسؤول العربي أن يمارس ما يشاء وفي أي مكان يروق له. المسلمون في الغرب غالبًا لا يستحضرون قصص عدل عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز؛ لأنهم يعيشون العدل. بينما تلقى سيرة العُمَرين رواجًا في أوساط المسلمين الذين يعيشون في بلادهم تحت سلطة ظالمة فاسدة. وهكذا؛ فإن العلمانية بفتح العين أو كسرها ليست إلحادًا، وكذلك فإنَّ الـ “عَلمانية” بفتح العين ليست ضد الدين ولا تناصبه العداء، بل تحترم أتباعه وتعطيهم كل الحرية، ولكن بعيدًا عن سلطة الدستور والقوانين التي تناسب حاجات الناس في الأرض.

مقالات ذات صلة

إغلاق