ترجمات

الغارديان البريطانية: «ولدت البوتينية عندما رُفض نداء روسيا عام 1989 من أجل نظام عالمي جديد»

مع انتهاء الحرب الباردة، أراد ميخائيل غورباتشوف مجتمعًا سياسيّا جديدًا، تكون فيه روسيا شريكًا على قدم المساواة، لكن الغرب رفض أن يعتمد عليه

 

جورج بوش، ميخائيل غورباتشوف، وجون ميجور، في قمة مجموعة السبعة عام 1991. أعرب غورباتشوف عن اعتقاده بأن “نهاية الحرب الباردة مثلت لحظة يمكن فيها لموسكو العمل مع القوى الغربية؛ لخلق مجتمع سياسي جديد كأعضاء مؤسسين متساوين”. تصوير: إريك فيفيربيرج /وكالة الصحافة الفرنسية / صور جيتي

قبل مدة طويلة من وصول فلاديمير بوتين إلى السلطة عام 2000، كانت المرحلة تُجهز لمواجهة روسيا الحالية مع الغرب؛ بسبب الفشل في تحقيق تحولٍ ونظام سلامٍ شامل بعد انهيار الاتحاد السوفياتي.

وُلدت سرديتان متعارضتان متصارعتان، بعد أن بدأت الكتلة الشرقية تنهار عام 1989. بالنسبة إلى الغرب، لا شيء بحاجةٍ إلى التغيير، فقد فاز المجتمع الأطلسي فوزًا فاعلًا في الحرب الباردة؛ ما يدل على تفوق النظام الغربي، ومن ثَم؛ كل ما كان مطلوبًا هو انضمام روسيا إلى المجتمع الغربي الموسع. فُتح الباب بالفعل، ولكن الشروط لم تكن صحيحةً. وقد أوضح بوريس يلتسين ذلك بطريقةٍ غير متسقةٍ ومتناقضة، وبوتين -في نهاية المطاف- قام بنقطة/العمل نفسها، ولكن بقوة أكبر؛ فدعا الغرب روسيا إلى الانضمام إلى مجتمع الأطلسي الموّسع، ولكن روسيا سعت إلى الانضمام إلى غربٍ متحول، وأوروبا يُعاد تشكيلها من جديد، وهي أهدافٌ لا تزال قائمةً حتى يومنا هذا.

بالنسبة إلى ميخائيل غورباتشوف، آخر زعيمٍ سوفياتي، مثلت نهاية الحرب الباردة لحظةً تمكنت موسكو من العمل مع القوى الغربية؛ لخلق مجتمعٍ سياسي جديد، بوصفهم أعضاء مؤسسين متساوين، أما الغرب التاريخي، حلف الناتو، والاتحاد الأوروبي في قلبه، فسيصبح، وفق الفكرة الروسية، غربًا أكبر، مع روسيا عضو مؤسس لمجتمعٍ سياسي جديد، ورافق ذلك كثير من الأفكار الديغولية لإنشاء نوعٍ من أوروبا أكبر من القارة، تمتد من لشبونة إلى فلاديفوستوك.

ولكن القوى الأطلسية، وخوفًا من أن روسيا كانت تحاول زرع إسفين بين جناحي الأطلسي: أوروبا وأميركا، رفضت هذه الأفكار. ومن الناحية العملية، لم تكن الآراء الروسية والغربية متباعدة، والمطلوب هو نوع من الإطار التوافقي، وإنه العنصر غير الملموس، ولكن العنصر الأساسي الذي كان مفقودًا في سنوات ما بعد الحرب الباردة.

وبدلًا من ذلك، عزّزت نهاية الحرب الباردة طرفًا على حساب الآخر، ومن دون تحولٍ في النظام العالمي. وهذا يعني أنّ الحرب الباردة لم تنته حقًا من الناحية الهيكلية.

كان يمكن لروسيا أن تصبح جزءًا من المجموعة الفائزة، مثلما فعلت ألمانيا واليابان بعد عام 1945، ولكن ذلك كان يتطلب نوعًا من قبول الهزيمة، وهذا أمرٌ لم يكن أيّ زعيمٍ روسي، ومن المؤكد ليس يلتسين ولا بوتين مستعدَّين للتسليم به. وبدلًا من ذلك، توسعت المؤسسات والأفكار المنتصرة في نهاية الحرب الباردة؛ ما دفع روسيا إلى مأزقٍ استراتيجي.

بات الفارق في التشديد الفكري انقسامًا سياسيًا، والفجوة بين التوسع والتحول تُحدّد المواجهة اليوم. وقد جرى توسيع النظام الحالي ببساطة، ومن ثم؛ ازداد تطرفًا، بدلًا من أن يتحول، فبدلًا من تجاوز منطق الصراع في أوروبا، وفي الشؤون العالمية، استمر في أشكالٍ جديدة. وفي النهاية، ردّت روسيا باعتماد سياسة مقاومةٍ لما عُدّ نظامًا سياسيًا ليبراليًا يؤكد قيّمهُ، ليس سلعةً مستقلة، وإنما جزءًا من نظام القوة المتوسع نفسه.

من دون أن يتصرف الاتحاد السوفياتي بمنزلة قوةٍ تقييدية، اتضح أنّ النظام العالمي الذي أُنشئ بعد عام 1989، قد تحوّل إلى نظامٍ أحادي القطب تحولًا فاعلًا، مع كل الأخطار التي تواجه مثل هذه الحالة. لم تكن، ولم ترغب، روسيا ولا الصين، في وضعٍ يحقق التوازن ضد هيمنة نظام القوة الذي تقوده الولايات المتحدة. إنّ ما يرغبان به هو نظامٌ دولي أكثر تعددية، وليس نظام القوة الواحدة المهيمنة، وهما ترغبان في رؤية مؤسسات المجتمع الدولي، ولا سيما الأمم المتحدة، ومنظمة التجارة العالمية، والمؤسسات المالية الدولية، تعمل باستقلالية ونزاهة. يتحدث السياسيون الروس مرارًا وتكرارًا عن الحاجة إلى إنشاء نظامٍ متعدد الأقطاب.

يمكن أيضًا رؤية الفجوة بين القيّم المعلنة للنظام الأطلسي ومظاهره العملية، بعدّها الفجوة بين المبادئ والممارسات (مشكلة “المعايير المزدوجة”)، وقد أثار ذلك نقد روسيا للممارسات الغربية، دفاعًا عن مبادئها المعلنة. ومثلما وضعت روسيا نفسها منذ زمنٍ طويل، بتقديم نفسها مدافعة عن “أوروبا الحقيقية” ضد النسخة الفعلية المتفسخة المزعومة، تدّعي روسيا اليوم أنّها هي القائد الرئيس للقيم الأوروبية الحقيقية التي تؤكد أنّ الغرب عمومًا قد ضاع. وبطبيعة الحال، فإنَّ هذا الادعاء الافتراضي يرفضه الغرب. ولكن بالنسبة إلى روسيا، فإنَّ تأكيد نوعٍ من القيم المميّزة أوسع من العودة إلى تقليديةٍ رجعية ومعارضةٍ للتقدم، وجزءًا من إعادة تأكيد التعددية الثقافية والحضارية والتنوع تأكيدًا أكبر من ذي قبل.

إنَّ تحدي القيم هو أيضًا تحدٍ لنظام القوة الذي أُنشئ في نهاية الحرب الباردة.

إنَّ محاولة التغيير ليست توازن القوى -فحسب- بين الطموحات المهيمنة للأوامر العالمية المختلفة، ولكن تغيير طبيعة الهيمنة نفسها لم تتحقق، وعوضًا عن ذلك، تعرضت روسيا لأشكالٍ مختلفة من “الاحتواء الناعم”، الذي تصلَّب بمرور الزمن.

كانت أزمة أوكرانيا عام 2014 عرضًا، وليست سببًا في انهيار الأمن الأوروبي.

ولكن العملية الأوسع المتمثلة في تسوية ما بعد الحرب الباردة، وظهور مواءمةٍ معادية لهيمنة روسيا والصين، وبعض القوى الأخرى، لا يمكن أنْ تُسمى حربًا باردة جديدة.

كانت الحرب الباردة الأصلية مواجهةً إقليمية ذات آثار عالمية، في حين أنّ التحوّلَ الزلزالي الحالي عمليةٌ عالمية لها آثار إقليمية. إنَّ القوى المناهضة للهيمنة تضخم الآن طلب روسيا الأصلي في نهاية الحرب الباردة عام 1989؛ من أجل تحولٍ في السياسة العالمية قائم على نظام سلامٍ قاري في أوروبا، ونظام دولي أكثر تعدديةً (وعدلًا).

اسم المقالة الأصلي Russia’s 1989 plea for a new world order was rejected, and so Putinism was born
الكاتب ريتشارد ساكوا، Richard Sakwa
مكان النشر وتاريخه الغارديان، The guardian،31/3
رابط المقالة https://www.theguardian.com/commentisfree/2017/mar/31/putinism-russia-1989-world-order-rejected
ترجمة أحمد عيشة

 

مقالات ذات صلة

إغلاق