قضايا المجتمع

محاكم الميدان الوجه الآخر لمحاكم التفتيش

في الوقت الذي عدّ فيه أصحاب الفكر السياسي والقانوني المعاصر في العالم أن إنشاء محاكم استثنائية من شأنه العبث بأهم ركن من أركان الدولة والمجتمع، ألا وهو استقلال القضاء، الذي بات يشكل استقلاله اليوم ركنًا أساسيًا من أركان الديمقراطية ودعامة أساسية من دعائم دولة الحق والقانون.

في الوقت الذي أخذ القضاء في الدول المتطورة، يؤدي وظيفة حفظ الاستقرار والسلم الاجتماعي في إطار مجموعة من المبادئ والديمقراطية الحديثة التي تحتل فيها دولة الحق والقانون العمود الفقري، نجد أن العكس يجري في سورية، إذ عمدت الحكومات السورية المتعاقبة منذ الاستقلال؛ وحتى اليوم، إلى التدخل السافر في شؤون القضاء والتعدي على اختصاصاته، فتحول من مؤسسة عدل وإنصاف إلى مؤسسة قمعية بيد النظام الحاكم، ولا سيما في مواجهة الخصوم السياسيين والمدافعين عن حرّية الإنسان وحقوقه، من خلال اصدار مجموعة من القوانين والتشريعات المقيدة للحريات والنشاط السياسي، ومنح الأجهزة الأمنية سلطات واسعة في عملية التوقيف والاعتقال، دون حسيب أو رقيب.

لتوسع في إنشاء المحاكم الاستثنائية، كمحاكم الميدان العسكرية، ومحكمة أمن الدولة العليا التي ألغيت في نيسان/ أبريل 2011، لتحل محلها محكمة الإرهاب، ومنحت تلك المحاكم صلاحيات مطلقة، تتنافى وأبسط مبادئ العدالة، حتى أنها تتنافى مع الدساتير السورية المتعاقبة.

في هذه العجالة سأتوقف عند محاكم الميدان العسكرية، نظرًا إلى ما تمثله اليوم من اعتداء صارخ على حقوق الإنسان في سورية، ولا أبالغ في القول بأنها أكثر بشاعة من محاكم التفتيش، وتُعدّ وصمة عار في تاريخ سورية، ولا مثيل لها في العالم.

بعد سيطرة حزب البعث على السلطة في سورية بخمس سنوات، قررت القيادة القطرية الموقتة إنشاء المحاكم الميدانية العسكرية بالمرسوم التشريعي رقم 109 في 17 آب/ أغسطس 1968، ونصت المادة الأولى من المرسوم على إحداث محكمة أو أكثر تسمى المحكمة الميدانية العسكرية، بينما حددت المادة الثانية اختصاص هذه المحكمة: “تتولى هذه المحكمة النظر في الجرائم الداخلة في اختصاص المحاكم العسكرية، والمرتكبة زمن الحرب أو خلال العمليات الحربية التي يقرر وزير الدفاع إحالتها إليها”. وحددت المادة نفسها، بأن سريان اختصاص هذه المحكمة يبدأ بمفعول رجعي ابتداءً من 5 حزيران/ يونيو 1967، وهو أمر يخالف مبدأ رجعية القوانين المعروف في كل دول العالم.

وجاءت المادة الثالثة؛ لتمنح وزير الدفاع حق تعيين قضاة المحكمة حصرًا من الضباط العسكريين. أما المادة الرابعة منها؛ فقد منحت النيابة العامة فيها جميع اختصاصات النائب العام وقاضي التحقيق العسكري، أي: أنها تحرك الدعوى ضد المتهم، ومن ثم؛ تحقق مع المتهم، وتصدر قراراها باتهام الشخص الذي تحاكمه وتحيله إلى المحكمة، وقرارها محصّن لا يقبل أي طريق من الطعن نهائيًا، أي: أنها تجمع فيها صفة الخصم والحكم.

لم تكتف القيادة القطرية للبعث بذلك، بل أعفت أعضاء المحكمة من التقيد بالأصول والإجراءات المنصوص عليها في التشريعات النافذة، كما هو منصوص عليه في المادة الخامسة من قانون المحكمة، أي: إن مكان انعقاد الجلسة وطريقة إدارة الجلسات واستجواب المتهمين وإصدار الأحكام، إنما تخضع جميعها لمشيئة رئيس المحكمة. ولا تسمح للمحامين بالمرافعة أمامها، ولا تسمح لأحد بمراجعتها. وتعقد جلساتها سرّيًا، إذ لا تستغرق جلسة الاستجواب أكثر من خمس دقائق، ويمنع على المتهم توكيل محام، ويُمنع عليه الطعن بأحكامها.

وجاءت المادة السادسة منها لتحصّن الأحكام التي تصدرها المحكمة من الطعن فيها، أي أنها تصدر مبرمة للتنفيذ، وفي المادة الثامنة من قانون المحكمة، حصرت القيادة القطرية لحزب البعث أمر التصديق على أحكام الاعدام برئيس الجمهورية، أما بقية الأحكام فتخضع للتصديق من وزير الدفاع. ولكليهما الحق في تخفيض الحكم أو الغائه وحفظ الدعوى. وبعد التصديق على قرار المحكمة، فإن القرار يرسل إلى الشرطة العسكرية للتنفيذ الفوري.

ويتساءل المرء -هنا- عن العدد الكبير لأحكام الإعدام التي أصدرتها هذه المحكمة، ولا سيما خلال السنوات الست الأخيرة، وذُيلت بموافقة وتوقيع بشار الأسد، بصفته المخول وحده بالتوقيع على قرارات الإعدام الصادرة عن محاكم الميدان العسكرية وفقًا لقانون هذه المحكمة.

أما عن كيفية إحالة المتهمين على محكمة الميدان، فلا يوجد في الواقع معيار واضح، أو أليه محددة للأشخاص الذين يحالون على المحاكمة أمامها، بل إن الأمر متروك برمته لوزير الدفاع وحده، الذي يحق له تقرير محاكمة من يشاء أمام محاكم الميدان، سواء كان عسكريًا أم مدنيًا، وسواء كان سوريًا أم أجنبيًا… وفي السنوات الأخيرة، فإن إحالة المتهمين عليها غالبًا ما تجري وفقًا لرأي الأجهزة الأمنية.

غاية القيادة القطرية من إنشاء هذه المحكمة، بحسب مرسوم إنشائها، هي محاكمة العسكريين فحسب، دون المدنيين، وفي أثناء الحرب أو العمليات الحربية مع العدو الإسرائيلي كما حددته المادة الثانية من قانون إنشاء هذه المحكمة، نصت حرفيًا:” مادة 2- يقصد في هذا المرسوم التشريعي ما يلي: أ- زمن الحرب: هو المدة التي تقع فيها اشتباكات مسلحة بين الجمهورية العربية السورية وبين العدو ويحدد بدؤها وانتهاؤها بمرسوم. ب‌- العمليات الحربية: الأعمال والحركات التي يقوم بها الجيش أو بعض وحداته في الحرب أو عند وقوع صدام مسلح مع العدو”.

وفي عام 1980 شهدت سورية أحداثًا دامية بين النظام وجماعة الإخوان المسلمين، أدخل في إثرها نظام الأسد الآب تعديلاً على قانون المحكمة؛ بحيث أضاف إلى أخر الفقرة ب من نص المادة الثانية عبارة: “وعند حدوث اضطرابات داخلية”.

ومنذ ذلك التاريخ عمد النظام إلى محاكمة المدنيين أمام محاكم الميدان العسكرية، ومع انطلاق الاحتجاجات الشعبية  ضد نظام الأسد الأبن في آذار/ مارس 2011، تحولت محكمة الميدان العسكرية من محكمة خاصة بالعسكريين إلى  محكمة تحاكم المدنيين على الخصوص، فأحيل  عليها عشرات الآلاف من مدنيين وعسكريين، من الأجهزة الأمنية مباشرة، ونظرًا لاكتظاظ سجن عدرا المدني وسجن صيدنايا العسكري بالمعتقلين أمنيًا والموقوفين قضائيًا، لجأ النظام إلى إيداع الأشخاص المحالين لتلك المحكمة داخل الأفرع الأمنية نفسها، إذ يحاكَمون في تلك الفروع،  ويقضون عقوبتهم فيها. ولأول مرة منذ تاريخ إنشاء هذه المحكمة تحاكَم نساء وفتيات أمامها، وهناك كثير من الفتيات والنساء زُجّ بهن في سجن عدرا لمصلحة المحكمة الميدانية، وبعضهن ما زال يقبع في زنازين الفروع الأمنية.

وأخيرًا، إن الهدف من الحديث عن محكمة “الميدان العسكرية” يهدف لتسليط الضوء على مدى خطورة استمرار هذا النوع من المحاكم في العمل، بوصفها لا تشبه المحاكم في شيء إلا من ناحية الاسم فحسب، وكذلك لتشجيع السوريين على الانخراط في حملة لا تنتهي إلا بإلغاء هذه المحكمة نهائيًا. وتعديل قوانين إنشاء المحاكم الأخرى، كمحكمة الإرهاب والمحاكم العسكرية، وكذلك تعديل القوانين التي تنتهك حرية الإنسان أو تقيدها.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق