ترجمات

صحيفة فيدوموستي: وهم السيطرة

الهجمات “الإرهابية” في روسيا تفرض ذاتها على جدول الأعمال السياسي؛ ما يقلل من سيطرة السلطة على أجندتها السياسية الخاصة.

هجوم “إرهابي فظيع” وقع في مترو أنفاق مدينة سان بطرسبرغ، أودى بحياة 10 أشخاص، في الأقل، وتسبب بجرح أكثر من 40 آخرين. نعرب عن تعازينا لأسر وأصدقاء القتلى، ونتمنى الشفاء العاجل للجرحى.

ولكن لا يسعنا إلا أن نلاحظ أن الهجمات “الإرهابية” في روسيا، أصبحت منذ مدة طويلة عاملًا تابعًا للسياسات، وهو أمر غريب في ظل الشعارات الرسمية حول الاستقرار.

الهجمات الإرهابية تحدث في بلدان مختلفة، ومن غير الممكن اليوم أن يكون أي بلد محميًا منها تمامًا، أخيرًا شهدنا أحداثًا مماثلة في فرنسا وفي بلجيكا، وفي ألمانيا، وحتى الولايات المتحدة تعرضت لهجمات إرهابية. في هذا المعنى، نحن (في روسيا) متشابهون مع البلدان الأخرى، وأن تكون في منأى عن هجوم إرهابي، أمر مستحيل. “الإرهاب” يضرب أيضًا في سان بطرسبرغ، حتى عندما يكون الرئيس هناك في زيارة. الفرق لدينا، هو انعدام المسؤولية العامة والعلنية لخدمات الأمن الواضح في التقارير التي تعترف بالأخطاء، وفي الاستقالات وتغيير آليات العمل. وكالات الأمن والاستخبارات لدينا (في روسيا)، تحصل على صلاحيات جديدة وتمويل سري جديد فحسب.

آخر تغيير في الإطار (الكادر) حدث في يونيو/ حزيران 1995، فبعد سيطرة “إرهابيين” على مستشفى في بوديونوفسك، قدم مدير خدمة الأمن الفيدرالي FSB))، سيرغي ستيباشين، استقالته، واستقال وزير الداخلية، فيكتور إيرين، ووزير الدفاع بافل غراتشيف (بوريس يلتسين أبقاه في منصبه). بعد ذلك، لم تسفر الهجمات “الإرهابية” الكبرى عن أي تغييرات جدية في الأطر (الكوادر) أو عن عقوبات. فبعد الهجوم “الإرهابي” على دوبروفكا 2002، جرت إدانة ضابط الشرطة برتبة رائد، إيغور أليامكين، بتهمة التسجيل غير القانوني لواحدة من الانتحاريات، وبعد تفجيرات الطائرات في آب/ أغسطس 2004، عُوقب ضابط شرطة من أمن المطار. وبعد حادثة بيسلان (احتجاز أطفال في مدرسة في مدينة بيسلان في القوقاز، وتسبب انهاء الاحتجاز في مقتل مئات القتلى من التلاميذ، المترجم)، أُدين رجال شرطة محليون بتهمة الإهمال (صدر عفو عنهم عام 2007). وبعد التفجيرات في مطار”دوموديدوفو” 2011، أُقيل اثنان من ضباط قسم مكافحة “الإرهاب” في FSB.

إن تشكيل لجنة تحقيقات برلمانية، أمر مستحيل عمليًا في روسيا، فالتقارير العامة من FSB ومن اللجنة الوطنية لمكافحة الإرهاب، تتألف من إحصاءات لا نهاية لها، عن عدد الجواسيس الذين كُشفوا، وعن عدد الهجمات “الإرهابية” التي مُنع حدوثها. وللمقارنة، فإن الكونغرس الأميركي عام 2007، رفع السرية عن تقرير داخلي لوكالة الاستخبارات المركزية (CIA)، يتحدث عن عمل الخدمة قبل، وبعد، أحداث 11 أيلول/ سبتمبر 2001، ويكشف هذا التقرير عن أن وكالة الاستخبارات المركزية لم تكن لديها استراتيجية واضحة لمكافحة الإرهاب، وأن آليات تحليل التهديدات وتبادل المعلومات بين وكالة الاستخبارات المركزية، ووكالات الأمن الأخرى، كانت غير كافية. وقُيم عمل الوكالة بغير المرضي. بعد الهجوم الإرهابي في بوسطن عام 2013، اعترفت وكالات الاستخبارات الأميركية أيضَا بارتكاب أخطاء.

فارق مهم آخر في روسيا، ردًا على هجوم “إرهابي”، في كثير من الأحيان تُتخَذ قرارات سياسية خطِرة؛ كإلغاء انتخابات حكام الأقاليم، وإقرار قوانين “مكافحة النشاط المتطرف” و”مكافحة الإرهاب” وتشديد العقوبات بموجب جرائم “الإرهاب” و”التخريب” – جميع هذه القرارات جاءت ردًا على هجمات “إرهابية”. أيضًا أصبح النضال الحاسم ضد الإرهاب شعار الحملات الانتخابية عام 1999، فآنذاك توعد الرئيس المستقبلي، بوتين، منظمي الانفجارات في موسكو وفولغودونسك بـ “نقعهم في المرحاض”. وأُجريت الانتخابات الرئاسية بعد شهر من الانفجار في مترو موسكو.

توجه سياسي آخر، يمكن عدّه شبيهًا بالتوجهات الغربية؛ فعدد من الهجمات “الإرهابية” في روسيا تُعدّ ردة فعل على السياسة الروسية (سواء أكانوا “إرهابيين” شيشانيين، أم عربًا أو إسلاميين). السلطة في مثل هذه الحالات، تصر دائمًا على صحة سياساتها في الشيشان أو سورية. هذا أمر يشير إلى “الاعتزاز بالنفس”، لكنه لا يلغي السؤال عما إذا كانت هذه السياسات مدروسة؟ وهل جرى حساب عواقبها؟

في رأي خبير علم الاجتماع، دينيس سوكولوف، فإن عمليات مكافحة “الإرهاب” في شمالي القوقاز أبرزت في المدى الطويل ساحة كبيرة للعنف، تضم مجموعة متنوعة من الجهات الفاعلة (في الواقع، ينفَّذ هناك عدد لا يحصى من أعمال “الإرهاب”). ولكن بعد القوقاز، أسهمت روسيا في توسيع حجم العمليات الإرهابية؛ أولا بالمشاركة في الصراع الأوكراني، ثم بتدخلها في سورية. أجهزة الأمن الروسية قد تعتقد أنها تسيطر على الميليشيات المختلفة، وعلى الشركات العسكرية الخاصة (المرتزقة الذين يستخدمهم الروس)، ولكن هذه الجهات وفق قانون السوق، يمكنها الاستثمار بذاتها في مخططات جديدة.

وبحسب رئيس معهد الدراسات الاستراتيجية ألكسندر كونوفالوف؛ فإن تنفيذ الهجوم “الإرهابي” في سان بطرسبرغ في اللحظة نفسها عندما يكون فلاديمير بوتين هناك، لا يبدو أمرًا من قبيل الصدفة. وعلى أي حال، تنفذ مثل هذه الأمور بهدف التأثير فيه (بوتين)، وفي السلطات عامة. في كثير من الأحيان، يُستخدَم في روسيا مصطلح “مكافحة الإرهاب”؛ لشرح التدابير الهادفة إلى إغلاق قنوات الحوار بين السلطات والمجتمع. غير أن هذه القنوات مسدودة بالفعل، لدرجة أن أي حركة أخرى في هذا الاتجاه، لن تؤدي إلا إلى تفاقم الأزمة السياسية.

يقول المحلل السياسي، نيكولاي بتروف، إن الاتفاق الضمني بين المجتمع والحكومة، وينص على أن المجتمع يقبل طوعًا تقييد حقوقه وحرياته؛ من أجل تعزيز الأمن الاجتماعي الذي تقدمه الدولة، لم يكلل بالنجاح: الهجمات تحدث مرة بعد مرة، ولا نقاش حول هذا الأمر، لا في البرلمان ولا في الفضاء العام. لقد نسي الناس دوافع التشديد (في القوانين وتقنين الحريات)، والآن هم لا يطالبون بإجابة، عادّين الوضع الحالي أمرًا طبيعيًا مفروغًا منه.

ويرى بتروف أن الحكومة تخشى الظهور بمظهر غير حاسم، في حال ردّها على الهجوم “الإرهابي”، ولكنها الآن من وجهة نظر موضوعية، غير قادرة على الرّد بتحسين جذري لكفاية نشاط تعزيز الأمن. هذا الأمر يجبرها على اختيار إجراءات ظاهرية وشكلية بحتة. من الناحية النظرية، لا توجد الآن في جدول الأعمال مبادرات جذرية، تدعم وتشرح ضرورة استخدام السلطة للخطاب الصارم المناهض للارهاب.

ولكن من الناحية العملية، يمكن استخدام الحدث لتطوير الإنجازات الحالية – قمع النشاط المدني تحت ستار مكافحة التطرف، وتعزيز الخدمات الأمنية، وتعزيز آليات التحكم والرقابة في الإنترنت. إن اختيار مسار معين للعمل، يتوقف على التقدم المحرز في التحقيق في هجوم مترو الأنفاق “الإرهابي”.

 

اسم المقالة الأصلي Иллюзия контроля
الكاتب هيئة التحرير
مكان النشر وتاريخه صحيفة فيدوموستي   Ведомости 04.04.2017
رابط المقالة http://www.vedomosti.ru/opinion/articles/2017/04/04/684009-illyuziya
ترجمة سامر الياس

مقالات ذات صلة

إغلاق