أدب وفنون

أكيرا كوروساوا سينمائي الطبيعة الإنسانية

لا شك في أن الكتابات والمقالات التي تناولت سيرة وأعمال المخرج والسيناريست الياباني “العظيم”، أكيرا كوروساوا (من 1910 إلى 1998)، لم تُبالغ بتقدير القيمة السينمائية الكبيرة لهذا المُخرج المفكر، بوصفه واحدًا من ثلّة قليلة من مخرجين أثروا السينما العالمية بأفلام كانت سمتها الرئيسة أنها سينما مشكلات الإنسان الداخلية وأسئلته الكُبرى. بالنسبة إلى كوروساوا فإن شخوصه وسينماه تشبه، من حيث القيمة والأهمية، ومن حيث محاكاتها للغز الإنسان الحائر الباحث عن ذاته، سينما المخرجين الكلاسيكين الكِبَار في العالم كـ “إنغمار بيرغمان ولوتشينو فيسكونتي ولويس بونويل وفيتوريو دوسيكا وفيدريكو فيلليني”، وخصوصية شخوصه، تكمن في أنها تحمل بين طيّاتها عُمقًا إنسانيًا مرتجفًا، يحاول التَعبير عن مُثله العليا، بغض النظر عن فداحة الثمن! ومن ثم؛ ثمة رغبة عميقة لهذه الشخصيات بإنجاز الاستقامة والصدق الكامل مع الذات، عبر ذلك الصراع المتوتر داخل أُناس بُسطاء في طباعهم، صادقين في سلوكهم، وفي الوقت نفسه، صارمين في تعاطيهم مع قيمهم الأخلاقية المطرزة بإرث اليابان الملتزم.

في أفلام كوروساوا غالبًا ما تبدو نزعة الامتحان الأخلاقي، ومدى اختباره لكمية الصدق، موضوعًا لأغلبية أفلامه، وهذا ليس بغامض أو غريب، بل إنه يمثّل تجسيدًا لمشروع ٍ أخلاقي يؤمن به ويتبناه، يقول في إحدى اللقاءات (أفلامي تستعرض الشخصيات التي تحاول العيش باستقامة وصدق؛ فأنا أؤمن بأن على المرء العيش بصدق، أولئك بنظري هم الأبطال الحقيقيون).

ومن هنا؛ ومن خلال أفلام كـ “أن تعيش” 1952، الحائز على جائزة الدب الفضي في مهرجان برلين، و”الساموراي السبعة” 1954، جائزة الأسد الفضي في مهرجان فينيسيا، و”درسو أزولا” 1975، أوسكار أحسن فيلم أجنبي، و “رَان” 1985 أوسكار أفضل تصميم أزياء، و”عرش ودم” 1957، نجد أن هذه الأفلام لا تسوّغ الانفلات من المسؤولية الأخلاقية، بذريعة ما يعصف بالنفس من أهوال. وهذا ما جعل سينماه “سينما الصراع مع القِيم”، وخلف ذلك الصراع تنبثق أمنيات واقعية كانت هشة بداية الأمر؛ لتصير أكثر وضوحًا وحلمًا، مع وصول ذلك الصراع القِيَمي إلى نهايته.

يقول كوروساوا “الإنسان يكون عبقريًّا عندما يحلم”.

من وجهة نظر فنية، يُعد الساموراي السبعة أكثر أفلام كوروساوا طَرحًا لفكرة الصراع المبدئي، ومحاولة تحقيق الذات أخلاقيًا، رومانسيًا، في المقام الأول، وربما يحتاج هذا الفيلم الملحمي التاريخي، ذو الأبعاد الإنسانية عميقة الغور، إلى أكثر من بضعة أسطر كي نتحدث عنه، مع العودة إلى القرن السادس عشر، والتاريخ المليء بالحروب والنزاع على السلطة بين أُسر اليابان القوية.

الفيلم يحكي عن استعانة قرية صغيرة بمقاتلي ساموراي، مقابل ثلاث وجبات يومية من الأرز، لمجابهة عصابة كبيرة من قطاع الطرق. لن نتحدث -هنا- عن براعة كوروساوا الإخراجية، وقدرته الكبيرة على إدارة المعارك في الفيلم، لتبدو وكأنها حقيقية، بِقَدَر ما يمكن التطرق إلى الفرح الإنساني المتربّص خلف أحداث الفيلم الأخاذة، على الرغم من مواقف الموت الكثيرة.

منذ البداية يُضمر الفيلم أكثر مما يُظهر، ليكون تلميحًا خالصًا عن مغزى الالتزام بالمبدأ، والتعبير عن الذات التي يؤمن بهما المخرج كوروساوا. وهذا بطبيعة الحال يتماهى مع الطبيعة المثالية لمحاربي الساموراي الراغبين -دائمًا- بنهاية مشرفة لحياتهم.

ومع أنّ قصة الفيلم تتُرجم لعنة الغزاة الأبدية بوجه الطبقات القروية المسحوقة، الباحثة عن أدنى حدود الأمان، إلا أن عمق الفيلم لا يتوقف عند طبيعة الصراع وتداخلاته؛ بل يتعداه ليكشف حجم التوهج والصدق الساكن في نفوس سبعِ محاربين مغمورين، يُعَدون في التصنيف الثاني، بين مقاتلي الساموراي، ورغبتهم الجامحة ليعبّروا عن كونهم مقاتلي ساموراي شرفاء، لا يَقِلون شأنًا عن الساموراي المُحترف ذائع الصيت، بِغَض النظر عن وجبات الأرز الرمزية.

لم يتبق في نهاية الفيلم سوى ثلاثة من المحاربين، بينهم “كامبي”، قائد المجموعة، وهو محارب قديم أدى دوره بطريقة مدهشة ومنضبطة، وبعيدًا عن أي تلميع هوليودي، تاكاشي شيمورا، بطل فيلم “أن تعيش” الذي تعاطف مع القرويين وتولّى المهمة.

المحاربون السبعة متفاوتون مهارة وسلوكًا، انتقاهم كامبي ورفيق سلاح معه يدعى شيتشيروجي، بعد طول عناء، منهم من كان قاطع أخشاب ومنهم من كان صامتًا متأملًا، ومن بينهم شابٌ يافعٌ مبهورٌ بكامبي ويرغب أن يكون مُريدًا لـه، في حين رفضه كامبي بادئ الأمر. ومن بينهم -أيضًا- من لم يكن ساموراي كـالمدعو كيكتشيرو الذي أدى دوره ببراعةٍ توشيرو ميفوني، شريك كوروساوا في كثير من الروائع، وهو رجلٌ مُتهكم مُدّعي سخرية ومُجون، لغته الجسدية تعطينا إحساسًا بأننا أمام طرزانٍ، إضافة إلى أنه متسلط جوّال بعصاهِ وخرقه الجسدية القليلة، وخلف هذا وذاك يُعشعش فيه القهر القديم، فمنذ زمن بعيد قضى قطاع الطرق على والديه -عندما كان طفلًا- وفي مرحلة متقدمة من الفيلم ينفجر في وجه من حوله: “أين كنتم عندما قتلوا والديَّ ونهبوا قريتي إنكم أسوأ منهم”.

هذه الخلية الصغيرة من المحاربين هي قدر كيكتشيرو الجديد، وفي المعركة الختامية، سيكون رأس زعيم العصابة من نصيبه. صرخة كيكتشيرو عند قتله زعيم العصابة وموتهما معًا، تحمل رمزية كبيرة. فبالدرجة الأولى هي صرخة انتقام علنية، ومن زاوية أخرى هي تعبيرٌ عن حجم الهزيمة التي كانت، وتَحَولت بعد ذلك إلى نصرٍ كبيرَ لـ كيكتشيرو؛ فبعد أن كان كومبارس في الحياة، بات لاعبًا رئيسًا بين محاربين شرفاء، ماتوا في مواجه الظلم، ودفاعًا عن الأخرين.

بوصفه عملًا سينمائيًا لا يختلف إثنان في تحكّم ودراية المخرج كوروساوا بأدق التفاصيل، في فيلم لا تنبُع أهميته فحسب، بتأثيرهِ على السينما العالمية، والاقتباس الأميركي له في فيلم بعنوان “العظماء السبعة”؛ وإنما بإنسانية فكرتهِ وعمق بساطتها، وقيمتها الفنية المستندة إلى لغة سينمائية رفيعة المستوى، لواحد من أقوى المخرجين في تاريخ الأفلام.

مقالات ذات صلة

إغلاق