سورية الآن

السلاح الكيماوي… رحلة القتل في 100 عام

لم يوفر مرضى الدمار والقتل، عبر التاريخ، أي جهد لابتكار أنواع جديدة من الأسلحة، ليفتك الإنسان بالإنسان، وكان السلاح الكيماوي الذي عُدّ سلاح دمار شامل.

يؤكد مكتب شؤون السلاح في الأمم المتحدة “UNODA”، أن الاستخدام الحديث للأسلحة الكيماوية ابتدأ “مع الحرب العالمية الأولى”، ويشير إلى أن الجانبان قد استخدما “الغاز السام لإحداث معاناة موجعة، وإسقاط عدد كبير من الضحايا في ساحة القتال”.

ويوضح المكتب أن هذه الأسلحة هي أساسًا “مواد كيماوية تجارية معروفة جيدًا، توضع في ذخائر عادية، كالقنابل اليدوية وقذائف المدفعية”، ومنها “غاز الكلور”، و”الفوسجين”، و”غاز الخردل”، تسببت بنتائج مدمرة في الغالب؛ إذ أدت إلى “وفاة 100 ألف حالة”.

يشير المكتب عبر موقعه الإلكتروني، إلى أن “الأسلحة الكيماوية تسببت، منذ الحرب العالمية الأولى، في إصابة أكثر من مليون شخص على نطاق العالم”.

في 17 حزيران/ يونيو عام 1925، وُقّع “بروتوكول جنيف”، الخاص بحظر استخدام الأسلحة الكيماوية، من جميع الدول الفاعلة، ماعدا الولايات المتحدة الأميركية واليابان.

أعيد استخدام الغازات السامة في “الحرب العالمية الثانية، في معسكرات الاعتقال النازية، وفي آسيا”، ولم تستخدم في المعارك المباشرة في أوروبا.

بعد الحرب العالمية الثانية، وفي أثناء الحرب الباردة بين الاتحاد السوفياتي والغرب، زادت عمليات إنتاج الأسلحة الكيماوية، وخاصة مع اكتشاف “غازات الأعصاب”.

تملك الولايات المتحدة الأميركية مخزونًا، يُقدَّر بنحو 30 ألف طن من الأسلحة الكيماوية، لكن المحزون الأكبر عالميًا موجود لدى روسيا حيث تمتلك نحو 40 ألف طن.

يقدر مكتب شؤون السلاح أن 25 دولة كانت تطور قدرات الأسلحة الكيماوية لديها في “السبعينيات والثمانينيات” من القرن الماضي”. ولكن بعد الحرب العالمية الثانية لم يسجل بوضوح استخدام هذا النوع من الأسلحة، سوى ما استُخدم في أثناء الحرب العراقية- الإيرانية.

في نيسان/ أبريل 1972، وُقّعت اتفاقية “حظر استحداث وإنتاج وتخزين الأسلحة البكتريولوجية والتكسينية (أسلحة بيولوجية)، وتدمير تلك الأسلحة، وذلك بحسب اللجنة الدولية للصليب الأحمر، وأضافت أن الاتفاقية تتضمن “تأكيدًا لهدف مسلّم به، هو الوصول إلى حظر فاعل للأسلحة الكيماوية”، وتعهدًا بمواصلة المفاوضات؛ “بغية الوصول إلى اتفاق قريب على التدابير الفاعلة اللازمة لحظر استحداثها وإنتاجها وتخزينها، ولتدميرها”.

اعتُمدت اتفاقية الأسلحة الكيماوية عام 1992، خلال مؤتمر نزع السلاح الذي عُقد في جنيف، وبحسب مكتب شؤون السلاح؛ فإنه جرى “فتح باب التوقيع على الاتفاقية في باريس بتاريخ 13 كانون الثاني/ يناير 1993، وبدأ نفاذها في 29 نيسان/ أبريل 1997”.

يذكر المكتب أن اتفاقية الأسلحة الكيماوية “هي أول اتفاق على نزع السلاح، يجري التفاوض بشأنه في إطار متعدد الأطراف، وينص على القضاء على فئة بأكملها من أسلحة الدمار الشامل، في ظل رقابة دولية تُطبق على الصعيد العالمي”، ومع بدء التنفيذ أُنشئت رسميًا “منظمة حظر الأسلحة الكيماوية”، ومكتبها الفني الموجود في لاهاي- هولاندا.

مهمة المنظمة، بحسب ما ورد في موقعها الإلكتروني، هي تنفيذ أحكام الاتفاقية، لجعل عالمنا “عالما خاليًا من الأسلحة الكيماوية، وغيرَ مهدَّد باستخدامها، ويُشجَّع فيه التعاون على تسخير الكيمياء للأغراض السلمية لمصلحة الجميع”.

لم يوقع النظام السوري على تلك الاتفاقية، على الرغم من المناشدات الدولية، لكن بعد قصفه الغوطة الشرقية والغربية في ريف دمشق بالغازات السامة في 21 آب/ أغسطس 2013، ذهب إلى صفقة التوقيع على تلك الاتفاقية، برعاية روسية، وإلى تسليم مخزونه من تلك الأسلحة.

تشير تقارير مختلفة إلى أن سورية ربما تمتلك عدة معامل لإنتاج السلاح الكيمياوي، منها “السفيرة” في حلب، وأحدها في حمص، وآخر في ريف حماة، وهنالك معمل أيضًا في اللاذقية، بحسب تقرير للاستخبارات الفرنسية.

وأشارت التقارير إلى أن النظام السوري ينتج غازات السارين، والتابون، والخردل والإيبريت، وأن أخطرها، بحسب ما يقول المختصون، هو غاز الأعصاب “السارين”.

خلال السنة الأولى من توقيع النظام على الاتفاقية، تشرين الأول/ أكتوبر 2013، بعد جريمة قصفه الغوطة، استعمل الغازات السامة أكثر من 50 مرة، في 26 موقعًا، بحسب “الشبكة السورية لحقوق الإنسان”.

ويؤكد ناشطون سوريون، أن النظام بدأ باستخدام السلاح الكيماوي في كانون الأول/ ديسمبر 2012 في مدينة حمص، وأيضًا في آذار/ مارس 2013، في خان العسل من ريف حلب، وفي العتيبة من ريف دمشق، وكذلك في نيسان/ أبريل 2013 على بعض المواقع في حلب، لكن كل هذا كان على نطاق ضيق، قبل المجزرة الشهيرة في الغوطة الشرقية.

وقد وثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان في تقرير آذار/ مارس الماضي، تنفيذ نظام الأسد هجمات كيمياوية “333 مرة”؛ إذ “نفذ 33 هجمة قبل صدور القرار الأممي 2118، في أيلول/ سبتمبر 2013″، و”158 هجمة بعد القرار”، وحتى القرار التالي رقم 2209 الصادر في آذار/ مارس 2015، “نفَّذ النظام 89 هجمة بالأسلحة الكيمائية بعد صدوره”، وحتى آب/ أغسطس من العام نفسه.

كذلك نفذ “33 هجمة بعد القرار 2235 الصادر في 7 آب/ أغسطس 2015، القرار الذي قرَّر إنشاء “آلية تحقيق مشتركة، وحتى إصدار هذه الآلية تقريرها في تشرين الثاني/ نوفمبر 2016، وبلغ عدد الهجمات الموثقة بعد هذا القرار “20 هجمة”.

تسبب الهجوم الأخير صباح 4 نيسان/ أبريل 2017 على مدينة خان شيخون في ريف إدلب الجنوبي، بمقتل نحو 100 مدني، وإصابة نحو 500 آخرين، معظمهم من الأطفال، وللأسف ما زال العالم يدور حول صوغ كلمات التنديد والاستنكار، دون أي فعل حقيقي يحمي المدنيين في سورية، ويوقف استعمال أسلحة الدمار الشامل.

Author

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق