تحقيقات وتقارير سياسية

زياد ماجد: من الضروري أن تركّز المعارضة السورية على القضايا القانونية التي تُتيح محاكمة النظام

“لا يوجد حل عسكري ممكن في سورية حتى ضد تنظيم ‘داعش’ دون حل سياسي، يعالج جذور المشكل المتمثّل بالنظام، وأي خيار عسكري على الأرض السورية، دون قرار سياسي يفضي إلى تنحية الأسد وخروج الميليشيات الأجنبية من سورية، لن تحقّق استقرارًا في المدى الطويل، فهي موقتة وهزيلة، وتجربة العراق دليل على ذلك”، بهذه الكلمات أبدى الكاتب والأكاديمي اللبناني زياد ماجد رأيه في العمليات العسكرية على الأرض السورية ومآلاتها.

وأكدّ في حديثة لـ (جيرون) أن الحلول السياسية في سورية لا تزال بعيدة وصعبة، وقال “من الواضح أن لا حل سياسيًا يلوح في الأفق، هناك توازن قوى، فرضته روسيا عسكريًا على الأرض، وتريد تثميره من أجل فرض حلول تلائمها، في ظل غياب غربي، وأميركي بالأخص، وفي ظل تراجع الدول العربية التي كانت داعمة للمعارضة السورية، وفي ظل إعادة التموضع التركي في السياسات الإقليمية؛ لذلك، لا يوجد حل في المدى المنظور، وكل ما يمكن أن يُصار الركون إليه هو تجميد بعض الجبهات العسكرية، تأجيل بعض الحسم فيها، وانتظار ما ستكون عليه السياسة الأميركية في المرحلة المقبلة”.

وفي السياق التفاوضي ركّز الكاتب اللبناني على ضرورة تمسك وفود المعارضة بالحقوق الدنيا للشعب السوري الذي دفع -ويدفع- الثمن الأكبر منذ اندلاع الثورة، “يُفيد أن تتشدّد المعارضة السياسية السورية في ما يخصّ وقف إطلاق النار، ورفع الحصار، والإفراج عن المعتقلين، شرطًا للتفاوض مع الروس والإيرانيين والنظام، وأن تحافظ -في المقابل- على ديبلوماسيتها مع الأمم المتحدة ومبعوثيها، وأن تنسّق أكثر مع القوى المقاتلة على الأرض”.

عن مفاوضات جنيف5، واحتمالات خطّها منحًى جديدًا في المسار السياسي، قال: “لا أعتقد أن جنيف5 سيحقق تقدمًا، والمفاوضات التي تجري حاليًا تشبه المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية، التي راوحت لسنوات، ولم تحرز أي تقدّم في القضايا الجوهرية، وبات هدفها التفاوض من أجل التفاوض، وليس من أجل الوصول إلى حلول فيها الحدّ الأدنى من العدالة. لا يمكن لوفد النظام أن يقبل الانتقال السياسي جدّيًا عبر هيئة حكم انتقالية، فهو قام بحرب ضارية ضد الشعب؛ لمنع بحث انتقال السلطة، ونفّذ الإبادة السياسية للقوى المطالبة بذلك”.

وأردف: “يسعى النظام من خلال طرحه وتركيزه على بند الحرب على الإرهاب، إلى إيجاد تناقضات داخل المعسكر المُعارض، تقود إلى صدامات ميدانية، ويعوّل في ذلك على دعم روسي وإيراني، وعلى غطاء واحدٍ من قرارات الأمم المتحدة، وهو تصنيف ‘النصرة’ إلى جانب ‘داعش’ منظمة إرهابية. لا توجد جدّية من جهة النظام لإنجاح المفاوضات، وإيران تراهن على الوقت بانتظار اتضاح السياسة الأميركية تجاهها، وروسيا تريد حلًا بشروطها، وإن لم يحصل، فإنها تستطيع أن تماطل، وأن تستمر في مبدأ التفاوض من أجل التفاوض، حتى تتضح المواقف الغربية الجديدة، ولكي يصبح دورها بعد التفاوض دور العّراب المباشر، نظرًا إلى وجودها العسكري على الأرض، إلى جانب غطائها السياسي لنظام الأسد”.

وعن اشتداد وتيرة المعارك والعمليات العسكرية في دمشق وحماة الأيام الأخيرة، عدّ ماجد “أن هذه المعارك تحمل في طياتها مؤشرات، تُظهر أن النظام هش عسكريًا من دون تدخل روسي مباشر، ومن دون قتال إيران وحلفائها في أكثر من جبهة، وتبيّن أن دمشق، بما تمثّله سياسيًا ورمزيًا كعاصمة يحتلّها النظام ما زالت عُرضة للاختراق عسكريًا”، لافتًا أن “هذه العمليات على الرغم من أهميتها الرمزية ومدلولاتها السياسية، لا تعدّل موازين القوى في الوقت الراهن”.

وحول سياسات روسيا ومقارباتها تجاه إيران، قال: إن “الرهان على انفكاك روسي- إيراني ليس في مكانه في المدى المنظور؛ روسيا لا تريد -حاليًا- تقليم أظافر إيران سوريًا، فهي تحتاجها، وكلّ منهما يكمل الآخر في المشهد السوري، فطائرات روسية تقصف من دون قوى مقاتلة على الأرض لا تستطيع أن تحسم معركةً لصالح الأسد، إضافة إلى أن المقاتلين الذين استقدمتهم إيران على الأرض لا يستطيعون حماية الأسد، من دون الغطاء الجوي الروسي. وعلى الرغم من اختلاف أهداف موسكو وطهران على المدى البعيد، إلا أنها لا تزال متقاربة على المديين: القريب والمتوسط”.

وحول معركة الرقة وتداعياتها في الشمال السوري، يرى ماجد أنه “حتى الآن لم تقرّر إدارة ترامب التخلّي عن التحالف مع الميليشيات الكردية، مقابل التحالف الحصري مع الأتراك، والأفضل بالنسبة إليها توزيع الأدوار، أي: أن تقوم أنقرة والمعارضة المسلحة المتحالفة معها، بجزء من العمليات ضد ‘داعش’ على أن تقوم الميليشيات الكردية بغطاء أميركي مباشر بجزء آخر من العمليات. هذا يمكّن واشنطن من بقائها الحَكَم بين الطرفين في الشمال السوري، ويعطي الأميركيين موطئ قدم في المنطقة. الميليشيات الكردية تحاول، في الأحداث الأخيرة، إظهار قدرتها على التحالف مع الأميركيين ومع روسيا والنظام، في الوقت نفسه؛ لتوسيع هامش المناورة لديها”.

اختتم الكاتب اللبناني حديثه؛ مرجحًا صعوبة تبلور حلول سياسية أو عسكرية في المدى المنظور، ففي المسألة السورية تتداخل المصالح الإقليمية والدولية، وعلى الجغرافيا السورية “تنتشر منذ العام 2012 قوات إيرانية وميليشياوية مذهبية من العراق ولبنان وأفغانستان، ومنذ عام 2015 قوات روسية، ومنذ العام 2016 قوات تركية، وأخرى أميركية؛ كل ذلك يجعل تقسيم التراب السوري إلى مناطق نفوذ واحتلال قائمًا ولو موقتًا”، مشيرًا إلى أن “الأولويات -في الوقت الراهن- يجب أن تركّز على منع استمرار الحصانة لجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية؛ كي لا تبقى سورية أرضًا للإفلات من العقاب، وكذلك على ملفات الأسرى والمعتقلين، والتهجير القسري، والقصف بالكيماوي، مع دعم كل مبادرة إنسانية، تخفّف من معاناة السوريين والسوريات في أي مكان”.

زياد ماجد كاتب وأكاديمي لبناني من مواليد بيروت، يعمل أستاذًا لدراسات الشرق الاوسط في الجامعة الأميركية في باريس، ويكتب في عدد من الصحف والدوريات والمواقع العربية والفرنسية.

Author

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق