مقالات الرأي

إدارة ترمب وسورية “المياومة والغموض البنّاء”

تفاجأت قيادات في المعارضة السورية، إن لم يكن جميعها، بالتصريحات الأخيرة لعدد من رجال الإدارة الأميركية، والمتعلقة بالموقف من سلطة بشار، فكان تصريح وزير خارجية ترامب في إسطنبول عن أن مصير بشار الأسد “يُقرّره السوريون”، وزادت مندوبة واشنطن في الأمم المتحدة الموقف إرباكًا بقولها: إن إسقاط نظام بشار ليس من أولويات الإدارة الأميركية. الغريب أن الذين تفاجأوا اعتمدوا على قراءة مشوشة لسياسة إدارة ترامب، أو على أمنيات لديهم بحدوث تغير جذري؛ مقارنة مع موقف إدارة أوباما.

منذ خطابات حملته الانتخابية، لم يُقدّم ترامب تصورًا أو إعلانًا واضحًا يقول فيه: إن “الأسد فقد شرعيته” أو: “على الأسد أن يرحل”، أو أنه سيقوم بتسليح الثورة السورية بأسلحة نوعية، كما كانت تعلن إدارة أوباما خلال السنوات الثلاثة الأولى من عمر الثورة، ثم خفت صوتها، وتركت الشعب السوري لبطش النظام وحلفائه، خاصة بعد الصفقة الكيماوية مع النظام.

كان تركيز ترامب في نقده الواضح والمتواصل لإدارة أوباما، ينصب على الاتفاق النووي الإيراني بعدّه تنازلًا يضر بالمصالح الاستراتيجية لواشنطن، ووعد بالعمل على تغييره، مع تلميحات تؤكد إمكانية إلغائه، وصولًا إلى التلويح بالذهاب إلى العمل العسكري ضد إيران إذا لم تمتثل لشروطه في مختلف الملفات، وبعد فوزه استمر يؤكد هذا الموقف. أما حول سورية فالجديد الذي عرفناه في موقف إدارته، بعد فوزه، هو إمكانية العمل على إقامة مناطق آمنة في سورية، دون أية تفاصيل. إضافة إلى إشارات تدين ما يقوم به نظام بشار من جرائم حرب ومجازر جماعية. لكن الحرب على “الإرهاب” بقيت هي المحور الرئيس في التحركات الدبلوماسية والسياسية اليومية للموظفين الأميركيين الكبار، ونفذت أميركا حربها على “داعش” بوتيرة متسارعة في العراق وسورية، ونسجت تحالفاتها ميدانيًا لخدمة هذا الهدف. أي: إنه “أولوية” واشنطن في المنطقة. وبناء عليه؛ فإن تصريح مندوبة أميركا بأن إسقاط نظام بشار ليس من أولوياتها، كان منسجمًا مع أجندات إدارة ترامب، دون أن يعني ذلك قبول التحالف مع سلطة بشار، التي تستميت من أجل الاندماج في التحالف الدولي تحت شعار “الحرب على الإرهاب”؛ لتكون معتمدة لدى واشنطن في المنطقة، مثلما هو حال الأطراف الأخرى (تركيا وإسرائيل وقوات سورية الديمقراطية ودول الخليج والسعودية والأردن). وهو ما يشكل مصدر قلق لنظام بشار، زيادة على قلقه من تداعيات الموقف الأميركي من طهران ومن أدواتها، وإفصاح المسؤولين الأميركيين عن عدّهم “حزب الله” وبقية الميليشيات الموالية لطهران جزءًا من الإرهاب المدعوم إيرانيًا.

ومنه، يمكن تلخيص الموقف الأميركي في عهد إدارة ترامب، وتحديدًا موقفه مما يجري في سورية، بالغموض “البنّاء” الذي يتيح للمؤسسة السياسية في واشنطن القدرة على العمل بأسلوب المفاجآت، لتتمكن من تغيير التكتيكات وفق اللحظة الملائمة. وهو ما سلكته حكومة نتنياهو منذ بدء الثورة السورية، وخلال احتدام الصراع في سورية، ودخول أكثر من عامل دولي خارجي على خط التأثير في مجرياته.

وبالعودة إلى الأيام الأولى للثورة السورية، كانت مواقف إسرائيل منها تتسم بالتعويم، أو ما يطلق عليه الاستراتيجيون الإسرائيليون “الغموض البنّاء”؛ فهي لم تعلن قبولها بزوال نظام الأسد، ولا هي أعلنت أنها تؤيد بقاءه. في أكثر اللحظات احتدامًا للصراع بين الثورة والنظام، خاصة عندما كان ميزان القوى ترجح فيه كفة الثورة، اكتفت إسرائيل بتقديم تصورات للتعامل مع التطورات بناء على سياسة الاحتمالات. واكتفى الاستراتيجيون الإسرائيليون، وفي مؤتمرات هيرتسليا تحديدًا، بالتحذير من خطر تمدد “الإرهاب الإسلامي” داخل الأراضي السورية، وضرورة الاحتياطات الوقائية من عمليات يقوم بها ضد المواقع الإسرائيلية.

الجانب الأهم في المتابعة الإسرائيلية للمواجهات في سورية، تركَز على خطر النفوذ الإيراني، عبر دور حزب الله في المعارك، والدعوة إلى أخذ الاحتياطات من احتمال انهيار النظام ووقوع أسلحة استراتيجية بين أيدي “حزب الله”. وتعاملت مع هذا الخطر داخل سورية بضرباتها المتواصلة لقوافل الأسلحة والعتاد، وللمخازن التي قدمها نظام بشار لـ “حزب الله”، كذلك نفذت عمليات اغتيال ضد شخصيات إيرانية ولبنانية، تعمل بإمرة الحرس الثوري الإيراني.

أما في نظرتها إلى دور إدارة أوباما في سورية التي أظهرت في خطابها الإعلامي والدبلوماسي تأييدًا لثورة الحرية في البداية، فاكتفت إسرائيل بتحذير الأميركيين من خطر القوى الإسلامية، وراحت تدعو، مواربة، إلى التخفيف من نبرة التأييد الأوروبي والأميركي لثورة الشعب السوري. بينما سعت إلى إظهار تنسيقها مع بعض الفصائل المسلحة، وتقديم الدعم الطبي والإنساني في المناطق المحاذية لحدودها، وهو ما دعا أحد المحللين الإسرائيليين إلى القول: “إن هذا السلوك للقيادات الإسرائيلية يستهدف المساس بشعبية الثورة في أوساط السوريين”.

مع فوز ترامب، ساد الارتياح الواضح في أوساط حكومة نتنياهو، بعيدًا عن موقف واشنطن من بقاء نظام بشار أو زواله، فعلى محور الموقف من الاتفاق النووي، ومن الاستيطان والقدس، وجدت إسرائيل فرصتها لاستكمال ما تعدّه “أمنها الاستراتيجي”. أما استحقاق الحرية والديمقراطية في سورية فهو آخر ما يعنيها، وكذلك إدارة ترامب، ولا نبالغ في القول إنهما، واشنطن وتل أبيب لا يرغبان في رؤية سورية، وقد خرجت من نظام الاستبداد، وأشاد شعبها نظامًا ديمقراطيًا مدنيًا. وربما تنطوي فكرة “الأولويات” الأميركية على رشوة لنظام الأسد؛ لجعله بعيدًا عن إيران، ليتسنى له الدخول في الحلف الذي تقوده أميركا، وبذلك يضمن بقاءه.

خلاصة القول إن إدارة ترامب تعتمد” المياومة” في التكتيكات والتحالفات، والإشارات الصادرة من واشنطن حول سورية، أربكت المعارضة بدرجة أعلى مما تستحق، وأبقت النظام قلقًا غير مطمئن على مستقبله. والمنطق يفترض أن ننتظر مفاجآت في المواقف الأميركية العملية، فالرقعة الجغرافية السورية تتداخل فيها تناقضات عالمية وإقليمية، لها تداعياتها السريعة والمفاجئة، وستكون واشنطن ترامب أكثر المعنيين في تغيير الاتجاه عندما تقتضي التطورات المتعلقة بالصراع في سورية وضع خطوط جديدة تسير عليها واشنطن لتحقيق أهدافها. ويبقى السجال المحتدم حول الملف النووي الإيراني، بانعكاساته على سورية، صاحب القول الفصل في علاقة إدارة ترامب مع مختلف الأطراف.

مقالات ذات صلة

إغلاق