هموم ثقافية

السينما صورة أم لغة؟

إنه ليس سؤالًا نقديًا، وإنما سؤال بنائي فني جمالي، يحتم على صانع الفيلم تبنيه وفهمه وتشكيل إبداعه من خلاله. هناك فرق بين السينمائية والسينما، فالسينما مرتبطة بنوع فني، كالشعر والقصة والرواية واللوحة التشكيلية والمنحوتة… إلخ، بينما السينمائية لغة فنية، ليست حكرًا على الفيلم السينمائي؛ فهي لغة جمال كونية، تجسدت تجسدًا أوضح في الفيلم السينمائي. ونستطيع القول إن السينمائية -لغةً- موجودة قبل اختراع الفيلم، إذ ارتبطت بالمنتَج الإبداعي عامة. وإذا أردنا تعريفًا مبسطًا للسينمائية: فهي الصورة الذهنية المتحركة من المنتج الإبداعي، في ذهن المتلقي من جهة، وصناعة هذا الأثر من المبدع، من جهة أخرى، بغض النظر عن نوع هذا الإبداع، كتابةً، كالأدب، وأداءً كالرقص والمسرح، وغيره من الفنون الأدائية.

قد تتجسد السينمائية لغةً في أي فن آخر، وقد تكون مفقودة في الفيلم السينمائي نفسه أحيانًا. فالصورة السينمائية صورتان: شكلية مجسدة على شاشة، وصورة ذهنية مجسدة في ذهن المتلقي، صورة تعبر عن ذاتها وصورة معبرة عن دلالتها “سيميائيًا”.

اللغة السينمائية ناتج جمالي، هو حصيلة تفاعل المنتج مع التلقي، شيء ثالث يذهب بالخيال إلى آفاق غريبة ومدهشة، ومختلفة عن التوقع البسيط. أما الصورة السينمائية فهي حرفة تجنح إلى ميكانيك الصنعة.

اللغة السينمائية، سر الفحوى الإبداعية التي تستحيل إحاطتها وضبطها، بمعيارية مشابهة لمعيارية الشكل للصورة، من ضوء ولون و”ميزانتسين” وغيرها. ولأن ثورة الصورة المتحركة هي ابن شرعي للسينما، وخاصة وجودها الكثيف والشامل والمتعدد في التلفزة، تعددت اللغة السينمائية في وظائفها وأهدافها؛ فالصورة في الأخبار والتقارير الصحافية المرئية المتعددة، والأفلام الوثائقية، والتسجيلية، والبرامج الترويجية والترفيهية، جميعها تحمل لغة الصورة، أي: لغة السينما بشكلٍ ما.

لقد لعبت اللغة السينمائية في كثير من الترويجات الخطرة، في تغيير الرأي العام على صعيد الإعلام، وأدوار تحريضية وديماغوجية في تشكيل رأي عام جديد، للسياسة والاقتصاد وتسليع الفنون والألعاب الرياضية.

فعلى سبيل المثال؛ كرة القدم باتت أكثر جماهيرية، وأكثر رواجًا، وأكثر امتاعًا؛ بسبب اللغة السينمائية التي أعطت اللعبة شكلًا فنيًا في عرضها على الشاشة، من تشويق وصراع وتفاصيل جمالية، بلغة سينمائية مختلفة، وأكثر متعة من مشاهدتها في الملعب واقعيًا.

فاللغة السينمائية اكتسبت شروط الدراما المرئية، من تشويق، ومركب كامل للدراما من صراع وتمهيد، وذروة ومفهوم البطل الملحمي أحيانًا. لغة أفرزتها الصورة الحية المتحركة بتفاصيلها وبحجوم لقطاتها وإيقاعها، وتشكيل وانتاج حس المتلقي جماليًا وفنيًا وواقعيًا، وأدخلت لغة الإيهام بلغة الواقع، بلغة الخيال؛ تلك هي لغة السينما.

لم يستطع ولم يكن التلفزيون بهذه الدهشة خارج لغة السينما ومؤثراتها.

لم يعد التاريخ بعد ثورة السينما ولغتها، تاريخا غائبًا، بل محفوظًا بالصوت والصورة، وما يطرأ عليهما من تأثيرات صانع لغة الصورة؛ لذلك، يمكن القول إن التاريخ قبل السينما، هو شيء مختلف عن التاريخ بعد السينما؛ إذ صار أكثر وضوحًا، وأكثر خبثًا، وأكثر وجودًا وحضورًا، فقد تحول من مُلك للنخبة إلى ملك جماهيري عام، قابل للترويج بأكثر الطرق السينمائية ذكاءً، وأكثرها انتشارًا.

فاللغة السينمائية هي المسيطرة على وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي، وليست الصورة بمعناها الجاف، بل بمعناها الفني الدينامي المتبدل والمتحول، واكتساب مئات المؤثرات الفنية لهذه اللغة؛ لغة شكلت مفهومًا جديدًا للوعي والمعرفة الجديدة، غير قابلة للاندحار إلا بلغة تفوقها فنية ونضوجًا وانتشارًا.

 

لذلك، فإن امتلاك الصورة من دون لغتها “السينمائية” غير كاف لفعل الأثر المطلوب، فما الصورة إلا مادة خام، تحتاج إلى إعادة تصنيع وتدوير من جديد، متوجة باللغة السينمائية.

وبسبب انتشار الصورة السينمائية من خلال التلفزة، ووسائل الاتصال المتعددة، يتغير العالم ويتشكل من جديد؛ إذ خُلّقت صورتان للأشياء: صورة واقعية شبه غائبة، وصورة فنية عن الواقع، تفرض حضورها في الوعي الاجتماعي، وبات المجتمع والمكان والزمان عالمًا جديدًا، خارج وجوده الواقعي الممل. صورة ذهنية تعيد الواقع وتشكله وتفهمه ضمن الصورة ولغتها.

إن انتصار اللغة السينمائية أشبه ما يكون بانتصار العلم على الفلسفة. بمعنى تحرر الصور من ذاتها، وذهابها إلى دلالاتها، أي إلى لغتها، لغة السينما.

وقد أثرت اللغة السينمائية في صنوف الأدب والفن الأخرى، فبات أي عمل فني يراعي المونتاج السينمائي، والصورة الذهنية الناتجة عنها. وبات من المستحيل تخيّل الإبداع خارج لغة السينما، وحتى الحياة ثقيلة مملة، وربما مضجرة ومزعجة، خارج وجود السينما ولغتها.

وكأنها لغة كانت موجودة قبل وجود الحياة.

مقالات ذات صلة

إغلاق