ترجمات

واشنطن بوست: “كانت المستشفيات مسالخ” رحلة في عنابر التعذيب السرية في سورية

تحدق امرأة في الصور المهربة من سورية في معرض في الأمم المتحدة في نيويورك عام 2015. (لوكاس جاكسون /رويترز)

ذات مساءٍ في الأيام الأولى من الانتفاضة السورية، انسلت فرقة محسن المصري من الناشطين في شوارع دمشق، وانتظروا حتى تتوضح الصورة، بعدئذ جثوا، فتحوا حقائبهم وأخرجوا ما في جعبتهم.

رموا الآلاف من كرات “البينغ بونغ”، خضراء ووردية وزرقاء وصفراء، كانت واحدة منها بجانب شرطي، سارع إلى إيقافها، وجد السكان، خلال تلك الفترة، الكرات مدسوسةً في أركان وزوايا مظلمة لأشهر، وعلى كلّ منها كلمة واحدة: “الحرية”.

سيكون العقاب لتصرف المصري بالاحتجاج السلمي بداية رحلةٍ إلى الجحيم، غير عادية، ليس بسبب ما رآه، وإنما لأنه بقي على قيد الحياة.

في سلسلةٍ من المقابلات، وصفَ كيف أنّه تعرض للتعذيب والتحقيق خلال عامين، في أربعة مراكز احتجازٍ، قبل وصوله إلى مستشفى في قلب نظامٍ وحشي يعمُّ كلَّ البلاد.

المستشفى، والمعروف باسم 601، ليس هو الموقع الوحيد للتعذيب في سورية، ولكن بعد محفظة صورٍ، تظهر آلاف الجثث بهيكلها العظمي، أصبح المستشفى واحدًا من أعتى مراكز التعذيب.

داخل المركز الذي يبعد نحو نصف ميلٍ عن قصر رئيس النظام السوري، بشار الأسد، يُعذب الأسرى المرضى بتقييدهم إلى أسرّةٍ مكتظةٍ برجال ميتين، وفقًا للمصري، ولمعتقلين سابقين، ولعسكريين يعملون هناك، إذ تتكدس الجثث في الحمامات، والمراحيض، وفي أيّ مكانٍ آخر يرونه ملائمًا، ومن ثمَّ ينقلوا بالشاحنات بعيدًا إلى مدافن جماعية، بعد أنْ يوثقوا بدقة.

في مقابلاتٍ في لبنان وتركيا وأوروبا، أكثر من عشرات الناجين والمنشقين عن الجيش، وصفوا أهوال المستشفيات العسكرية السورية في جميع أنحاء البلاد.

ينحدر المعتقلون السابقون من جميع فئات المجتمع: النخبة، والطبقة العاملة، واليساريين، والإسلاميين، علاقتهم الوحيدة البينية هي “تورطهم” في انتفاضة سورية عام 2011، وبعضهم كان من محرضيها، بينما قال آخرون بأنهم علّقوا على كلمات الأصدقاء الذين دعموا الاحتجاجات في “فيس بوك”.

ويقول الباحثون: إنّ الشهادات والوثائق من المستشفيات العسكرية السورية، تقدّم بعض أكثر الأدلة واقعيةً -حتى الآن- عن الجرائم ضد الإنسانية التي يأمل المرء -بسببها- أن يرى يومًا ما كبار الشخصيات في الحكومة مقدمين إلى المحكمة.

“كنا نساق إلى نظامٍ كان مستعدًا لنا؛ حتى المستشفيات كانت مسالخ،” كما قال المصري في مقابلةٍ الشهر الماضي.

كان الدواء يُستخدم سلاحًا في الحرب منذ الأيام الأولى للانتفاضة؛ إذ يبتر الأطباء الموالون للنظام أطراف المتظاهرين من جراءَ إصاباتٍ طفيفة.

تحولت المستشفيات العسكرية في جميع أنحاء سورية، منذ مدة طويلة إلى عنابر للسجناء. ولكن منذ عام 2011، امتلأت بالرجال الذين يُتركون يتضورون جوعًا ومرضًا؛ بسبب الأوضاع التي تعرضوا لها بالفعل.

اعُتقل أكثر من 100،000 شخص، أو اختفوا قسرًا في سورية، منذ بدء الثورة في البلاد، وفقًا لقائمةٍ جمعتها الشبكة السورية لحقوق الإنسان، وهي مجموعةُ مراقبة. خلال ذلك الوقت، فقد تمكنت منظمات الإغاثة الدولية من الوصول إلى عددٍ قليل من السجون، بإذنٍ من الحكومة، لا أحد من المحتجزين الذين قابلتهم صحيفة واشنطن بوست أمضى بعض الوقت فيها.

بدأت محنة المصري في ربيع عام 2012، عندما أُلقي القبض عليه، وهو في طريقه إلى حضور مؤتمرٍ في تركيا، عُذب مراتٍ كثيرة، وهو يُنقل من سجنٍ إلى آخر، إلى أنْ وصل إلى صيدنايا، وهو واحدٌ من أكثر السجونِ رعبًا.

قالت منظمة العفو الدولية في تقريرٍ، نشر في شباط/ فبراير: إنَّ التعذيب والتجويع القسري، أمور منهجية في السجن. لكنَّ المصري قال: تعلَّم السجناء أنْ يبقوا صامتين، عندما يسأل الحراس عمن هم في حاجةٍ للذهاب إلى المستشفى.

“لا يهم ما فعلوه بنا. كان علينا أن نتظاهر بأننا كنا بخير. من النادر جدًا أن يعود الناس من تلك الرحلات “. كما قال.

بعد أشهرٍ من التجويع، أُضيف اسم المصري إلى لائحة الترحيل الأسبوعية. مع حلول الظلام، في إحدى أمسيات أيار/ مايو 2012، كان مقيدًا بالسلاسل مع معتقلٍ آخر، واقتيدوا إلى شاحنةٍ في الخارج. وعلى أجسادهم أرقام، وأنه عليهم أن ينسوا أسماءهم، كما أخبرهم الحارس، بعدئذ، عُصبت أعينهم.

قال المصري: كلَّ شخص يتلقى حفلة “ترحيب” -ضربٌ وحشي يشترك فيه الحراس والإطار (الكادر) الطبي الذي يرتدي المعاطف البيضاء فوق الزي العسكري.

في مستشفى 601، دُفع أضعف رجلٍ إلى الأرض، وعومل بوحشيةٍ أولًا، وفي مستشفى تشرين العسكري القريب، قال فنيٌّ سابق في المستشفى، محمد الحمود: إنّه رأى السجناء يُشحطون من شعورهم.

“كان كلُّ شيء عن السلطة،” قال سومر مصطفى، وهو طالب فيزياء من دمشق، أُرسل إلى مستشفى 601 في نهاية عام 2012. في الداخل، رأى المعتقلين مقيّدين بالسلاسل إلى أَسرّتهم، بشكلٍ مزدحم جدًا؛ بحيث لا يمكنهم الجلوس، إلا وركبهم تلاصق قفصهم الصدري.

كان الخروج إلى الحمام نادرًا، بحيث يتبرّز السجناء حيث يجلسون، ويبقون في المكان نفسه لعدة أيام. وأضاف “كنا معصوبي الأعين، والرائحة في كلّ مكانٍ حولنا. لا يمكننا نسيان ذكراه، حتى عندما نخرج.”

يعمل ما لا يقل عن خمسة فروعٍ أمنية، داخل عنابر مستشفى 601 منذ عام 2011، وفقًا للجنة تحقيقٍ تابعة للأمم المتحدة، وهي هيئةٌ عُيّنت لمراقبة الصراع، قالت في تقريرٍ عام 2011: “المعتقلون، بمن فيهم الأطفال، تعرضوا للضرب والحرق بالسجائر، وخضعوا لتعذيبٍ فوق إصاباتهم السابقة،” وخلصت اللجنة إلى أنَّ كثيرًا من المرضى تعرضوا للتعذيب حتى الموت داخل المستشفى أو مراكز الاعتقال.

مستشفى حرستا العسكري، أيضًا في دمشق، نقل مستودعه/عنبره من الطابق الأول إلى السابع منعًا لهرب المعتقلين، كما قال أحد المنشقين: “كان الطابق الوحيد من دون مصعد، وكنا نعرف أنهم لا يستطيعون القفز من النافذة”.

ويقول المحققون: إنَّ الانتهاكات يمكن أن تصبح أركانًا أساسية في أي حالة أخيرة من محاكمة أطباء المستشفيات، فضلًا عن شخصياتٍ بارزة في الحكومة السورية.

 

في 601، قال المصري ومصطفى، رأوا ضباطًا برتبٍ عالية من الفروع الأمنية، يرافقون الأطباء في جولاتهم، وأحيانًا يتوقف الفريق عند سجينٍ لمناقشة علاجه، وفي أحيانٍ أخرى يضربونه.

يساعد الأطباء إطار (كادرٌ) يرتدي الزي الأزرق، وكثيرٌ منهم من أنصار الثورة السابقين، قد تعاونوا مع سجانيهم. “انهار أفضل رجالنا تحت التعذيب، إنْ لم يضربونا، فإنهم يخاطرون بمصيرٍ أسوأ لأنفسهم.” كما قال المصري.

يُعرَف الحراس بأسماءٍ مستعارة، تجنبًا لتحديد هوياتهم؛ إذ قال أربعةٌ من الناجين: الاسم الأكثر شهرة منهم عزرائيل، أو ملك الموت، ووصفوه بأنَّه رجلٌ سمين، من اللاذقية، معقل الأسد الساحلي، يحمل عصا مربوطًا إليها شفرات حلاقة، وقالوا إنه يختار سجناء، ومعظمهم مرضى موت، لمصير يصفه هو “عزرائيل” بأنه “العدالة”. ويسميه المعتقلون الإعدام.

استذكر مصري عزرائيل وهو يشعل كيسًا بلاستيكيًا بقداحته، ويذيبه قطرة قطرة على وجه السجين حتى يُميته، على ما يبدو بنوبة قلبية. وقال سجناء آخرون: إنَّه استخدم قضيبًا حديديًّا لسحق جماجم زملائهم.

كثيرون ماتوا حيثما كانوا يستلقون، متحسرين على زملائهم؛ حتى يأتي الصباح. بالنسبة إلى مصطفى في شتاء عام 2012، تقاسم السرير حتى شروق الشمس في اليوم التالي مع ثلاث جثث.

ولأنّ الانتفاضة تحولت إلى حرب، يقول السجناء السابقون، أصبح المحققون مهووسين بفكرة تعذيب السجناء؛ للحصول على أسماء متهمين جدد لاعتقالهم.

اعترفت الوثائق التي وقعها كبار المسؤولين الحكوميين والأمنيين بتزايد حالات الوفاة، وفي بعض الأحيان، كانوا يشكون من تراكم الجثث.

“من المستحيل أن تستجوب، وتعذب وتقتل عشرات الآلاف من المعتقلين بدون وجود نظام ثابت” وقال سكوت غيلمور، وهو المدعي في مركز العدالة والمساءلة. “قبل الثورة، لم يقتل النظام الآلاف من البشر. بعدها وفجأةً كان كل هذا. ومن ثَمّ؛ ما الذي لم يفعله معهم؟ ”

في كانون الأول/ ديسمبر 2012، وُجِّه أمر تنفيذي، وقعه رئيس الاستخبارات العسكرية السورية، تعليماتٍ لكلّ أفرع الأمن بضرورة إرسال مقتوليهم إلى مشرحة مستشفى عسكري. وذكرت الوثيقة التي حصلت عليها اللجنة الدولية للعدالة والمساءلة، وهي هيئة تحقيق مقرها في أوروبا، يجب أن تُفحص الجثث وتُسجل.

نُشر كنز من تلك الصور في جميع أنحاء العالم عام 2014، بعد أن هُربت من سورية من منشق في الشرطة العسكرية، والمعروف باسمه الرمزي، القيصر؛ معظم الصور من داخل مستشفى 601، هياكل عظمية لأطفالٍ لا تتجاوز أعمارهم 11 عامًا، تحمل علامات التعذيب، مقلعي الأعين، وأطرافهم محفرّة من الحرق والحفر. كان قيصر يوّثق منهجيًا مقتل نحو 11000 شخص.

“عليك أن تدرك أنّ تلك الصور كانت فقط التي التقطت من رجلٍ واحد خلال مدة واحدة، وإضافة إلى ذلك الأمر، كانوا جزءًا بسيطًا -فحسب- مما قد سجله فعليًا”، قال نديم حوري، الذي فحص الصور لمنظمة هيومن رايتس ووتش.

وصف الأسد أخيرًا الصور بأنها “أخبار وهمية”، مشيرًا إلى أنها قد زُيفت لتناسب أهداف جماعات حقوق الإنسان.

لكن المنشقين يصفون أجسادًا مرقمة، حُملت في أكياسٍ شفافة من مستشفى 601، ومن مستشفياتٍ عسكرية قريبة، تشرين وحرستا، كذلك جمع محققون من الأمم المتحدة، ومن شركات قانونية خاصة، شهاداتٍ مماثلة من مدن حمص وحلب ودرعا.

في أواخر عام 2012، كان النظام قد ضعفَ، فانتقدَ أمرٌ عسكري في كانون الأول/ ديسمبر الإدارات العسكرية الفردية؛ لفشلهم في تسجيل مقتوليهم في الوقت المحدد.

وقال المصري: نُقل الذين بقوا على قيد الحياة إلى سجونٍ قريبة. آخرون، مثل مصطفى، أطلق سراحهم من محكمةٍ في دمشق، تغص بالسجناء المحتجزين على ذمة التحقيق على الفور، بعد أن أدرك القاضي أنهم أُجبروا على الإدلاء باعترافاتٍ كاذبة تحت التعذيب. وقال الشاب بأنه يتذكر كيف ارتمى في أحضان أبويه الباكيين.

نُقل المصري من 601 مرةً أخرى إلى صيدنايا. عامٌ آخر من التعذيب، حيث أمضى الليالي، كان المعتقلون متراصفين بعضهم إلى جانب بعض، في الظلام. شعر بأنه اندثر.

في شتاء عام 2014، حلم بأنه يأخذ حمامًا ساخنًا، يخلّصه من عامين من الأوساخ، ويعود نظيفًا، وعندما استيقظ ليجد حارسًا في زنزانته. “قال لي: حان الوقت لأن نذهب، لا أستطيع أن أصف ذاك الشعور. كان كثيرًا جدًا، كبيرًا جدًا. لا يُوصف.”

عندما عاد إلى بيته في دمشق، قال: إنّه يتذكر عندما أغلق باب الحمام ليقف وحيدًا للحظة، أغلق عيناه ليشعر أخيرًا أنه في سلام، وعندما فتحهما ثانية، رأى، رجلًا شاحبًا، عظامه بارزةً يحدق من خلفه في المرآة.

“لقد بدأت بالصراخ” وقال المصري. لم يعرفَ نفسه.

 

اسم المقالة الأصلية The hospitals were slaughterhouses’: A journey into Syria’s secret torture wards
الكاتب لويزا لاف لك وزكريا زكريا، Louisa Loveluck and Zakaria Zakaria
مكان النشر وتاريخه واشنطن بوست، Washington Post، 2/4
رابط المقالة https://www.washingtonpost.com/world/middle_east/the-hospitals-were-slaughterhouses-a-journey-intosyrias-secret-torture-wards/2017/04/02/90ccaa6e-0d61-11e7-b2bb-417e331877d9_story.html?utm_term=.bc5aba6c0d46
ترجمة أحمد عيشة

مقالات ذات صلة

إغلاق