قضايا المجتمع

أطفال سورية في مهب الشوارع: مدينة اللاذقية أنموذجًا

أصبح المشهد الآتي مألوفًا: طفلة سورية نازحة مشردة في الشوارع، تتسول في مقاهي الرصيف، وبين البيوت حتى لو وصلت للطابق العاشر، بات مألوفًا أن تجد هذه الطفلة الضحية تضرب شقيقها الأصغر ضربًا مُبرحًا، والعكس صحيح أيضًا، وكم شهدت عراكًا عنيفًا بين أطفال الشوارع الذين تنظم تسولهم جهات (أو مؤسسات شيطانية خاصة).

كنت شاهدة على نزول أكثر من ثلاثين طفلًا متسولًا، من حافلة (ميكروباص)، وكيف وزعهم أحد الرجال، الذي يتاجر بهم في شوارع اللاذقية، ثم جمعهم في الثامنة مساء في الباص ذاته. والله أعلم أي بؤس يتعرضون له، ولأن منزلي يقع مقابل ما يسمى مستشفى الأسد الجامعي (الذي صار الآن خاصًا بالجنود الروس) ولم يعد مستشفى يتمتع بميزة أنه في مركز المدينة، ويستقبل حالات إسعافية كثيرة، خاصة بعد أن قفز عدد سكان اللاذقية من مليون، إلى خمسة ملايين، بعد نزوح السوريين من المناطق الملتهبة (ثمة تقديرات أن 2 مليون مواطن سوري من سكان حلب في اللاذقية).

كنت أشاهد مصعوقة كيف يلعب أطفال الشوارع السوريين بقمامة مستشفى الأسد، حيث ينبشون في القمامة باحثين عن الإبر ويركض بعضهم خلف بعض، لاهين بغرز الإبر في أجسادهم الغضة القذرة، أو يبحثون عن أكياس الدم و”السيروم” ويقومون بنفخها كالبالون ثم ضربها بقوة بقدمهم حتى تنفجر مصدرة صوتًا، يهللون له سعداء، لم أكن لأتخيل -يومًا- أطفالًا يلهون بالقمامة، وخاصة قمامة المستشفيات، بما تحمل تلك الإبر من جراثيم خطرة كالتهاب الكبد (سي) الذي ينتقل بالعدوى، وينتهي حتمًا بسرطان الكبد، إضافة إلى السل وغيره من الأمراض، وهؤلاء الأطفال متروكون في الشوارع، يراقبهم عناصر الحراسة الخاصة بما يسمى مستشفى الأسد، ويعدونهم من طبيعة المشهد، خاصة حين ينبشون في القمامة باحثين عما يمكن أن يسد جوع مِعدِهم.

الأخطر من كل ذلك أن بعض هؤلاء الأطفال يبدو كـ “المسرنم”، يمشي ويتسول كما لو أنه منوَّم مغناطيسيًا. راقبت طفلًا لمدة أربعين يومًا. كان ممددًا على الأرض دائمًا، وإلى جانبه طبق من القش ممتلئ بالتفاح المصبوغ بالأحمر؛ الفاسد. تبين لي بأنه يُعطى قطعة من الصمغ يشمها طوال الوقت، والصمغ مادة مخرشة لخلايا الدماغ، ويمكن الإدمان عليها بسهولة؛ لذا، فإن تجار أطفال الشوارع في سورية يوزعون على الأطفال قطعًا من الصمغ، ولدي أدلة وإثباتات على ما أقول، ولا يُعقل أن يبقى إنسان (وخاصة طفل) منطرحًا على الأرض يومًا كاملًا دون أن يتململ.

الكارثة أن الحكومة والجمعيات الخيرية لا تكترثان لأمرهم. روت لي طفلة جميلة جدًا، على الرغم من هيئتها الرثة، تبلغ العاشرة، أنها فقدت والديها في ريف إدلب، ولا تعرف شيئًا عن أخيها وأختها الأصغر. أحدهم قادها مع أولاد الجيران التائهين المنكوبين إلى اللاذقية. ينامون في بناء على الهيكل قرب الكورنيش الجنوبي في اللاذقية (حيث المنطقة بعيدة عن مركز المدينة). هؤلاء شريحة غير قليلة من أطفال سورية، مرميون في الشوارع… ولا أحد يبالي بهم.

أجلس يوميًا في مقاهي الرصيف، وأرى الوجوه ذاتها من الأطفال السوريين المتسولين، وأكثر منظر يُدمي قلبي حين أجد مراهقة تحمل طفلًا لم يكمل الشهر من عمره، تحمله كيفما اتفق ورأسه ينوس على ذراعها، كيف تسول لها نفسها (أو للذين يستغلونها) أن تتاجر وتتسول معتمدة على طفل بالكاد أكمل الشهر من عمره وشبه عار. وأين الجهات الأمنية التي لا تُغمض عينها عن الشبان، سواء كانوا في المقاهي أو في الباصات؛ إذ تقتحم المقاهي وتوقف حافلات نقل الركاب (الميكروباصات والباصات)؛ لـ “شحط” الشبان إلى الجندية أو الاحتياط! لماذا تلك الجهات الأمنية الحكومية مهتمة بقنص الشباب، وتتغاضى عن مئات وآلاف المتسولين الأطفال السوريين النازحين؟! هل أصبح منظر هؤلاء من ديكورات المدينة.

العنف هو الشيء الوحيد الذي يتعلمه أطفال سورية المتسولين. الطفلة التي ضبطتها تضرب أخاها الأصغر ضربًا مبرحًا، وتطل من عينيها نظرة قاسية جامدة تُخيف من ينظر إليها، هي نفسها تتعرض للضرب والعنف النفسي والجسدي، وحين سيكبر أخوها سيضرب الأصغر منه، وبعد سنوات قليلة سيغدو هؤلاء الأطفال مراهقين منحرفين يقومون بكل الجرائم من سرقة إلى قتل إلى التطرف الذي يفغر فاه لابتلاعهم.

حبذا لو تراهم الجهات الأمنية المختصة بقنص و”شحط” الشبان إلى الجندية؛ من بيوتهم ومن الباصات وعلى الحدود، وحتى وهم يهربون.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق