مقالات الرأي

الدولة الحديثة والجلادون المحليون

لم يتغير تاريخ البشرية لولا تدخل العقل فيه، وتفسير ظواهره ووضع قوانين علاقاته، وبهذا لولا الاجتهاد المضني للعقل لما تطورت العلاقات البشرية، ولولا مجموعة النابهين والمفكرين، لما ظهرت العلاقات المحكومة بالقوانين والمؤسسات. والحداثة التي جسّدها مُفكّرو الغرب بإنتاج أفكار الدولة الحديثة، بوصفها أهم مظلّة جامعة، ومحمية بالدساتير والقوانين والقضاء. والمجتمع لولا هذا التدخل للعقل لكان مجتمع سلطات، قياصرة وملوكًا وقبائل وعائلات. إلا أن اكتشاف الدولة التي تقنن جدل العلاقة بين العام والخاص، بمعنى أنها سلطة وقوننة التعايش الاجتماعي، أي: قوننة العام وحقوقه في الحياة والعمل والتعلم والحرية والملكية، إلى الخاص واحترامه، في المعتقد، والعادات والتقاليد والتنظيم والتعبير، شريطة احترام وتحييد الآخر، بمعنى ألا يكون معتقدي أو حريتي فيهما انتهاك للآخر وعدوان عليه، أي: إلغاء العنف في المجتمع، وتحويله إلى حوار وبرامج تخدم الإنسان وكرامته وحريته في الأساس.

على الرغم من مجمل الشعارات التي رفعتها الدولة الحديثة من المحبة إلى الإخاء والتسامح، يدلل سياق تطورها الذي قدمت فيه كثيرًا من الضحايا وأنتجت قوى الغلو القومي والديني (الفاشية والنازية)، إلى جانب إنتاج وتطوير مفهومات المواطنة والحرية والديمقراطية؛ كي يسود القانون والقضاء والدستور، بوصفه عقدًا اجتماعيًا توافقيًا يحمي المجتمع ويصون تعايشه.

بقدر ما أنتج المجتمع الحديث الدولة، بقدر ما أنتج في المقابل أدوات مصلحته، من المصنع، للإنتاج والسوق. ومفهوم السوق الذي أعاد صوغ استغلال الإنسان، وسلًّع قدراته، وخاض حروبًا واحتلالًا لأراض وشعوب ضعيفة، أو مفوّتة حضاريًا، لم تُدخِل مفهوم الدولة الحديثة. هذه المعادلة هي التي حكمت العالم. مصالح وإنتاج أدوات ربح وسوق متطورة حديثة، تستغل شعوب مفقرة “متخلفة”. سياق طويل علينا سبر عالمه وتشريح علاقاته، وتحديدًا بُعيد انتهاء مرحلة حروب واستعمار الأراضي والشعوب؛ إذ أنتج هذا القادر القوي المتنفذ أدوات جديدة ومفهومات حديثة، كنهها هو إبقاء عالم مترام سوقًا لمنتجاته وسلعه، ولكن هذه المرة مستخدمًا الأدوات المحلية، بمعنى التحكم بسياق تطور هذه الدول والشعوب بسقف الحاجة والسلعة، ودعم مجموعة محلية تتسلط وتعسف، تنشر الفساد وتُسلّعه.

تتوخى هذه المقدمة فتح حوار لسياق من تسليع الأفكار التي بُثت في منطقتنا، ودور الغرب الحديث التاريخي بـ “تخلف” المجتمعات، وتحديدًا مجتمعنا لأكثر من عامل جيو-سياسي. هذه المقدمة لا تفترض صحتها ويقينها بقدر ما تطرح نفسها؛ كي تنكأ العقل والوعي السائد في ظل الأزمة الحادة والخانقة التي تعيشها مجتمعاتنا، وتُهدد مستقبلها ووحدتها، مستلهمة أيضًا إشاعة مناخ إنتاج ثقافة التغيير في مواجهة ثقافة السرد والادعاء.

الأيديولوجيا المُفوّتة

هي مجموعة الأفكار والمبادئ والمعتقدات التي لم تُفجّر الواقع وتثير أسئلته، وبقيت مفهوماتٍ تُردَّد بطرق مكررة، ولكنها كانت كلما زادت حماستها تقهقر المجتمع، وضُيق على إنسانه، وحاصره بلقمة عيشه وأمنه. وقد عشنا وعاش مواطننا صراخ الحرية والتحرير والاشتراكية، شعارات جميلة إلا أنها شكّلت طوق حصاره، فكفر بها؛ لأنها لم تطرق باب خلاصه، وبهذا لجأ المواطن إلى الأب القديم والأم البدائية والدين، متوخيًا الخلاص من قادر لم يفهم جوهره وكنهه. الأسوأ أن كثيرًا من المفهومات التي تُشكّل عصا توكئ الطريق والخلاص، كانت محكومة بتوجهات القوي القادر المبدع المُسَّلِع (التبعية والاستلاب). من هنا يكمن الخوف من الاندثار والتشرد، فمقولات الشعب وحتمية انتصاره -أيضًا- مقولات محكومة بإرادة ووعي خلاص، يُفرز ثقافة وعلاقات تغيير. وليس نثر أفكار وثقافة في الهواء، فالأفكار دون ناظم وحاضنة تخصيب جماعي تمتلك إرادة وإيمان التغيير تصبح جعجعة وثرثرة.

لهذا، فمجتمع مرر أول مبادئ تقسيمه وتذريره منذ بداية القرن؛ اتفاقية سايكس بيكو 1916، وتعايش مع نتائج هذه الاتفاقية وأوغل فيها، إذ باتت الهويات الإقليمية عامل تشدق وتفاخر، إضافة إلى أن زرع الثكنة الصهيونية في وسط مجتمعاتنا، وتطور قوتها العنصرية، وهزيمتنا أمامها على أيدي أنظمة الاستبداد، وتوسعها في أرضنا، وسياسة استرضائها المنتشرة، عامل ساعد في نخر مجتمعاتنا، وحقنها بجميع عوامل تمزقها وتشظيها.

هل نحن أمام إعادة صوغ المنطقة؟

كان عقد السبعينيات الخطوة الأولى لإنتاج الأدوات المحلية، وتهيئة المنطقة لتغييرات وتشكيلات جديدة، هدفها المحافظة على السوق والمصالح والأيدي الرخيصة، ونعني بذلك منذ عام 1970، وفي عقب هزيمة حزيران/ يونيو، وخروج المقاومة من عمّان، وصعود العسكرتارية، التركة البغيضة للبعث والناصرية في أهم حلقات المنطقة، مصر وسورية والعراق، اللواتي كنّ المقدمة لإخراج الجماهير من الشارع، وبناء المؤسسات الأمنية القمعية، وسيادة التسلط والعسف، وإطلاق ما يُسمى “عملية السلام”، المناخ الأساس لسيادة برنامج تطويع واستباحة المنطقة على أيدي جلادين محليين ببرنامجي الترهيب والترغيب، إما الفساد المطلق والعبث، أو القمع الضاري ومحاكم الطوارئ والقوانين الاستثنائية.

مقالات ذات صلة

إغلاق