قضايا المجتمع

الدولة والأمة

(1)

مع بداية القرن السادس عشر بدأت ولادة الدولة بمفهومها الحديث في أوروبا، وتُنسب هذه الولادة إلى ثلاثة عوامل رئيسة:

1) تفكك إمارات الإقطاع في أوروبا.

2) إضعاف سلطة الكنيسة.

3) نمو البرجوازية الصناعية.

ومما لا شك فيه أن هذه العوامل أسهمت إسهامًا مباشرًا في ولادة الدول المُعاصرة في أوروبا، أو في الأصح، أسهمت في رسم توجه نظم الحكم في تلك الدول، أما العامل الحاسم، والمصدر الأساس في شرعية الدول الوليدة كان هو الأمة، فضعف سلطة الكنيسة، من جهة، وتفكك إمارات الأقطاع، ونمو البرجوازية أتاحت للقبائل، والشعوب الأوروبية أن تتفاعل، وتتمايز لتشكل أممًا: فرنسية، وألمانية، وإيطالية وإلى آخرها.

عندما اكتملت تلك الأمم تكوينًا، كان لا بد من أن تنتظم تلك الأمم في دول، هي حالة أرقى من الأشكال التنظيمية الاقطاعية والإماراتية التي كانت سائدة، وبحكم ازدحام تلك الأمم في القارة الأوروبية الضيقة نسبيًا، وتلاصق تلك المجتمعات أحيانًا، وتداخلها في أكثر الأحيان، كان لا بد من أن يشترك الفقه الفلسفي، والاجتماعي، والقانوني في تحديد عوامل تكوّن الأمم ، وكيف تكون مجموعة من البشر أمة، وعلى الرغم من أن تلك الأبحاث كانت بعناوين إنسانية شاملة، بمعنى أن البحث استهدف عوامل تكون الأمم، بعدّها أممًا في كل زمان، ومكان، فإن تلك الأبحاث -في حقيقة الأمر- كانت تُعبّر عن هموم الباحثين القومية، في ايجاد مصادر الحق؛ لتحديد مجتمع الأمة التي ينتمون إليها، ومن ثم؛ حدود الدولة التي يجب أن تبنى جغرافيًا وبشريًا، وهكذا؛ فإن الفقهاء الألمان، والفرنسيين، والإيطاليين تصارعوا، وتحاوروا؛ لتحديد أسبقية عوامل تكوين الأمة، هل هي العوامل الثقافية؟، أم الجغرافية؟، أم اللغة، أم الحياة المشتركة، أم المصالح الاقتصادية؟

(2)

ما يعنينا أن الفقه الاجتماعي، والقانوني الأوروبي أجمع على أن الأمة مستند الحق في إقامة الدولة التي يجب أن تتطابق حدودها الجغرافية، والبشرية مع حدود الأمة وطنًا، وشعبًا.

ومن خلال صراع عنيف أحيانًا، ودام أحيانًا أخرى، ولدت الدول في أوروبا بحدودها الثابتة، وسرعان ما اتجه الفقه الاجتماعي، والقانوني بعد ذلك لتحديد مستند مشروعية النظم القائمة، وتوجهاتها الاجتماعية، والسياسية، ومنظوماتها القانونية.

ومع غزو أوروبا العسكري، والاقتصادي، والسياسي للعالم، تسرّب غزوها الثقافي، والفقهي والقانوني أيضًا، وحصل خلط (غير بريء) بين شرعية الدولة، ومشروعية نظام الحكم، وذلك بهدف إقامة (كيانات مصطنعة) في مناطق مختلفة من العالم، إذ تخدم الدول المصنوعة، الدول الأوروبية الصانعة.

(3)

هكذا، فإن مستند الحق في شرعية الدولة تطوّر خطوة خطوة مع تطور الإنسان، والمجتمعات البشرية، وهذا لا يعنى أن مستند الحق في السلطة، وتأسيس الدولة يُمكن أن يُعتمد اعتباطًا، وإنما لكل مرحلة تاريخية مُستند الحق الذي تطورت إليه الحال الاجتماعية في تلك المرحلة، من العشائرية، إلى القبلية، إلى الشعوب إلى الأمة، وربما إلى مرحلة أعلى “التجربة الأوروبية حاليًا”.

ما يعنينا في هذا المجال هو تأكيد، بأكبر قدر ممكن من الوضوح، أن أي محاولة لإسناد الحق في إقامة الدولة في مرحلة تاريخية معينة إلى مرحلة تاريخية استنفدها تطور المجتمع، وارتقى إلى مرحلة أعلى، هي محاولة رجعية معوقة لتقدم هذا المجتمع، ومن ثم؛ فهي محاولة غير مشروعة، فالأمة التي اكتملت تكوينًا تُصبح حدودها البشرية والجغرافية هي مصدر الحق الوحيد في تأسيس الدولة المتطابقة مع تلك الحدود، وتصبح أي محاولة لاصطناع دول على أرض تلك الأم، وشعبها تُفتّت إمكانياتها البشرية والمادية، هي محاولة غير مشروعة أيًا كان الشكل، وأيًا كان مضمون النظم القانونية الصادرة عنها، ذلك أن ما بني على باطل، فهو باطل.

(4)

وفي الوقت ذاته، فإن أي محاولة من نظام معين في فرض سيطرته، ومد سلطته خارج حدود الأمة “الوطن والشعب” هو اعتداء على أمم أخرى، فهو غير مشروع.

فالدولة المعاصرة محكومة بمستند حق مُحدد، داخلي، ومستند حق خارجي:

1) تجزئة الأمة إلى “دول”، هو عدوان على الأمة غير مشروع، ومن ثم؛، فإن تلك “الدول” تفتقد مُستند الشرعية في تأسيسها، وكذلك منظوماتها القانونية تفتقد مستند مشروعيتها، ومن ثم؛ فإنها غير مُلزمة.

2) امتداد سلطة دولة قومية ما على أمم أخرى، بأي طريقة كانت، هو عدوان على أمم أخرى، فهو غير مشروع، وتصبح تلك الدولة مُتعدّية حدودها، وتفتقد الشرعية، إضافة إلى أن محاولاتها صوغ منظومة قانونية لهذا التعدي تكون غير مشروعة، وغير مُلزمة.

(5)

هكذا، فإن مستند الحق لشرعية الدولة المعاصرة، هو تطابق حدود الدولة مع حدود الأمة الاجتماعية ، والجغرافية لا تنتقص منها عدوانًا على الأمة، ولا تتجاوزها عدوانًا على غيرها ، وإذا كانت بعض الدول في أوروبا اليوم تتنازل عن بعض سيادتها لصالح مشروع قاري أوسع ، فإن هذا يجد مستنده في تطور اجتماعي في تلك الدول استلزمت حاجة التطور فيها إلى أنموذج أعلى من “الدولة القومية”، بعد أن تقاربت تلك الشعوب وتفاعلت وامتلكت حرياتها، ومن ثم؛ ، فإنها تحبو باتجاه أداة أشمل “دولة أشمل”، وتنسيق يتيح لها مزيدًا من التطور، وهذا يعني أن الخط البياني للتطور البشري صاعد، وأن محاولة تمزيق أمة ما إلى “دول مُتعدّدة”، يعني الاعتداء عليها، وإعاقة طرق تطورها، وتقدمها، ووضعها خارج العصر، ولعل “الأمة العربية” هي النموذج الصارخ لهذا العدوان الذي يقع عليها “وطنًا وشعبًا”.

لا بد أن يتصدى الفقه الفلسفي، والاجتماعي، والقانوني العربي له، وفضح مراميه، يقول د. عصمت سيف الدولة: “الوعي بأن الوجود القومي (الأمة) طور من التكوين الاجتماعي يتقدم على التكوين الذي سبقه، ويتميّز عنها أساسًا بوحدة الأرض المشتركة. ومن ثم؛ فإن محاولة تمزيقه قبائل أو “أوطانًا” متعددة، جهد رجعي فاشل، رجعي لأنه ردة إلى الوراء، وفاشل لأن العودة إلى الوراء مستحيلة بحكم التطور الذي يتجه من الماضي إلى المستقبل، لأن الزمان لا يتوقف. وأن الوحدة الموضوعية لمشكلات الأفراد من الأمة الواحدة، والأجزاء من الوطن الواحد، تُحتّم وحدة أداة حلها لتصبح إمكانيات الكل في خدمة الكل، والأجزاء معًا. ووحدة الأداة تعني وحدة الدولة، ومن ثم؛ فإن تعدّد الدول في الأمة الواحدة تبديد لإمكانياتها فحسب، وعجز مؤكد لكل “الدول”، ولأي دولة منها عن أن تحل مشكلات الحياة في الأجزاء، أو الجزء الذي تقوم عليه”.

الأمة -إذن- هي مستند الحق في شرعية الدولة المعاصرة إلى أن ترتقي الحالة الاجتماعية في مجموعة من الأمم إلى مرحلة أرقى، وأكثر تطورًا.  فماذا عن الأمة؟

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق