كلمة جيرون

الجنون بعينه

طريفة هي ردات فعل كثير من السوريين على النقد، ومزعجة أحيانًا تلك الطريقة التي يثورون فيها عند الحديث عن أي قضيّة تمسّ طرفهم، وتصل ردات فعلهم -أحيانًا- إلى مستوى الكارثة الأخلاقية حين يتعلق الأمر بنقد المكوّن القومي أو العرقي أو المناطقي أو العشائري أو الشعبي أو العائلي الذي ينتمون إليه.

خطوط حمراء في كل مكان، واستنفار في المشاعر والغرائز، وتوثّب كامل للانقضاض، فالرأي الآخر مرفوض إلا إذا كان إيجابيًا، ونبش المواجع، ومواجهة الحقائق، وكشف القبائح، وتسليط الضوء على السلبيات أمر ممنوع في عُرفِهم.

ردات فعل كثير من السوريين -من المحسوبين على الثورة- تظهر قبل سماع الرأي الآخر كاملًا، أو قبل قراءة الموضوع حتى نهايته، فالعنوان كاف بالنسبة إليهم ليحكموا، والمقدمة “فرض كفاية” بالنسبة إليهم، ليجيّشوا مشاعرهم ومشاعر شعبويين يحيطون بهم، وتبدأ حربهم الافتراضية، فلا حاجة لقراءة المتن، أو لفهم الفكرة كاملة، أو إدراك المعنى في حقيقته.

من “يتورط” ويتحدث عن ظاهرة سلبية، أو موقف سيئ، أو تصرّف وقح لا تُخطئه عين، يتعلق بأمر قومي أو اجتماعي أو مناطقي أو سياسي، عليه الاستعداد لمواجهة جيش من “الشبيحة” من هذا الطرف أو ذاك، مستعدون لإلقاء براميلهم المتفجرة عشوائيًا، ليغطوا قصورًا في معارفهم، أو ليتهربوا من نقد مُستحق.

صار التجريح دارجًا ومُستسهلًا لدى كثير من هؤلاء، وانحدرت الأخلاق والفكر، وغابت البصيرة، ونادرًا ما يعمل العقل أو يكون صوت الحوار هادئًا رصينًا، أو أن تكون الحجّة مقابل الحجّة، والمعلومة مقابل الأخرى، بل تبرز الباطنية المريضة، والتعصب الأعمى، والتصلّب المجنون.

تسببت ست سنوات من الحرب بأمراض اجتماعية ونفسية وفكرية كثيرة، واختلّت الموازين والأخلاق، فعنصرية النظام وباطنيته وطائفيته وانتهازيته وجهله وعنفه اللفظي والجسدي، وكرهه للآخر، انتقل -مع الأسف- إلى كثير من المحسوبين ضده، وابتعد العقل والمنطق، واستخدم بعضهم “التشبيح” أسلوبًا سياسيًا رخيصًا؛ لتمرير أهدافه أو لتسويغ أخطائه.

على هؤلاء، التمهل والهدوء، وتقديم العقل على الغريزة، والتمسك بالأخلاق أولًا، تلك التي أفقدهم إياها النظام، ونقل جرثومته إليهم، والتفكير في سورية، بوصفه بلدًا واحدًا، وبالسوريين شعبًا واحدًا، ونسيان كل الانتماءات الهامشية الفرعية ما قبل الحضارية، انتماءات ما قبل الدولة، الانتماءات القومية والعرقية والعشائرية والدينية والمذهبية، وأن يتذكروا أنهم سوريون، سواء أكانوا من أصول عربية أم كردية أم آشورية، أو كانوا ينتمون إلى هذا الدين أو ذاك، أو ينحدرون من هذه المنطقة أو تلك، والأهم أن يتذكروا أنهم ثاروا ضد نظام ديكتاتوري أوصلهم إلى هذه الحال من الجنون، بدلًا من أن يصلوا إلى دستور وقانون يساوي بين الجميع، ودولة يُحترمون فيها، ليس فيها انتماء “ضيق” كالذي يُقدّسونه، وأن يتذكروا أن للدولة الحديثة مرجعية واحدة، هي مرجعية المواطنة، وأن المرجعية الواحدة للدولة تُقدّم حقوقًا واحدة للجميع، وأن دولة القوميات والطوائف والمذاهب بائدة لا محالة، ودون ذلك، فإن المقبل سيكون أكثر تفرقة وانحرافًا وتشتيتًا وتقسيمًا وسوادًا ومأسوية.

مقالات ذات صلة

اقرأ أيضاً

إغلاق
إغلاق