هموم ثقافية

ورطة مُدرّسة

فوجئت مُدرّسة للمرحلة الإعدادية في إحدى مدارس دمشق، بما جاء في ورقة امتحان لمادة “التربية الوطنيّة”، إذ أجابت الطالبة صاحبة الورقة “بأن سورية نالت استقلالها من الاستعمار الفرنسي بقيادة الرئيس المناضل حافظ الأسد”.

بعد شعور المفاجأة الأول هذا، راحت الوساوس تنتاب مشاعر مُدرّستنا، فوجدت نفسَها تُفلت قلم التصحيح الأحمر من يدها، لتسند خدّها متفكّرة بما يمكن أن تفعله إزاء خطأ كهذا، لم تواجه مثله، طوال سنوات عملها.

كان يمكن عدّ الإجابة خطأً علميًا، وتصحيحها. غير أن التصحيح سيتضمَّن -بطبيعة الحال- الشطب على قيادة الرئيس المناضل حافظ الأسد، إذ ما من خطأ في عبارة “بأن سوريّة قد نالت استقلالها من الاستعمار الفرنسي”؛ وإنما الخطأ يكمن فقط في “قيادة الرئيس المناضل حافظ الأسد”، كما هو واضح وبديهي.

لكنّ المسكينة -المُدّرسة- حارت وتوسوست؛ لأن الشطب -في حال كهذه- حمَّال أوجه، وهي لا تنقصها المتاعب؛ فأخذت الورقة، كما هي، وتوجَّهت بها إلى غرفة المديرة لاستشارتها، والعمل بتوجيهها.

السيدة المديرة، وبعد أن قرأت ما جاء في الورقة، مطَّت شفتها السفلى دهشة واستغرابًا، ثمَّ سرعان ما أعادتها إلى هيئتها الأصليّة، متنحنحة وقائلة بوقار وجدّية: أنت المُدرّسة، وأنت المسؤولة عن تصحيح أوراق الطلاّب، فقومي بدورك؛ أم تريدينني أن أقوم بالدورين معًا؛ الإدارة والتدريس؟

وضَّحت المُدرّسة مخاوفها التي دفعتها لمراجعة المديرة، ورجتها أن تساعدها في إجراء ما يجب، لأنّ أمرًا كهذا ليس مزحة، مذكّرة إياها بأنها معيلة أساسية للأسرة… فرَقَّ قلبُ المديرة -كما يبدو- وهمست في أذن المُدرّسة عن ضرورة قيامها بمراجعة مديريّة التربية، وعرض الموضوع هناك، لرفع “أيّ مسؤولية، من أيّ نوع، عنّي وعنكِ” بحسب ما قالت المديرة.

طارت المُدرّسة نحو المديريّة. وفي أثناء طيرانها، طفقت تفكّر بالذنب الذي ارتكبته حتى ابتلاها الله -هي بالذات دون غيرها من المُدرّسات- بهذه المشكلة؛ مستعيدة بذهنها حوادث كثيرة مشابهة ورّطت أصحابَها بسين وجيم من المسؤول الأمني، وكادت تُودي بهم إلى الفصل من المدرسة، أو النقل إلى مدارس أخرى، ممن كانوا محظوظين.

في المديريّة، اتّجهت المُدرّسة إلى مكتب المسؤولة الأعلى، وعرضت عليها الموضوع، مبيّنةً تخوّفاتها من التصرف الفردي بموضوع حسَّاس كهذا، ثمَّ ختمت كلامها بالقول: “أنت رأس النبع، ولذا جئتُ أستشيرك في ما يجب عليَّ أن أفعله إزاء هذا الأمر”

قالت المسؤولة بهيئة ونبرة المسؤولين: “يا بنتي! موضوعات مثل هذه ما فيها رأس نبع وغير رأس نبع. أنت مُدرّسة وعليكِ أن تعرفي عملك وواجباتك. ارجعي إلى مدرستك، ولا تعودي إليَّ -مرة أخرى- لأمور كهذه. فهمتِ؟”

ما أعرفه أن المُدرّسة عادت إلى مدرستها خائبة، مهمومة، حائرة، لا تدري ما العمل الصائب إزاء مشكلة دهمت حياتها الهادئة، المستورة؛ بيد أن ما لم يُتح لي معرفته منها هو ما الذي فعلته، وكيف كانت نهاية حكايتها؛ إذ شغلتني عن سؤالها -حينذاك- شواغل عدّة، إلى أن نسيت الواقعة تمامًا.

ولعل الغريب في تلك الواقعة، هو كيف صار لها -صباح اليوم- أن تنبثق من ذاكرتي فجأة كما ينبثق حوتٌ من مياه المحيط، على الرغم أن أحداثًا مهولة تلاحقت، ومياهًا كثيرة جرت بعدها، وزمنٌ طويلٌ مرَّ وعدا، ربما كان نحو عشرين عامًا أو يزيد؟

مقالات ذات صلة

إغلاق