تحقيقات وتقارير سياسية

جنيف والوفد الاستشاري الضخم

بقدر إيماني بالحل السياسي، بعدّه مخرجًا أكثر أمانًا، وأقل خسائرَ، خاصة بعد أن تأكد أن الدول المحسوبة على أنها أصدقاء الشعب السوري، وعلى رأسها أميركا، ترفض الحسم العسكري، وقد امتنعت إدارة أوباما، وبصراحة مغيظة، عن تقديم كل ما يساعد في ذلك. الأكثر، والأنكى أنها قوّضت محاولات الدول الأخرى في كل ما طرحته من حلول واقتراحات، وعملت لتجسيده دون جدوى.

لكن في الوقت نفسه، خاصة لمن عرف النظام عن قرب، وفهم طبيعة تركيبته الأمنية، العسكرية، الطائفية، وموقع إيران من قراره، كان يدرك أن النظام يرفض -أصلًا- أي حل سياسي، ويرى في أي خطوة جادّة على طريقه نهاية له؛ لذلك، كرّس نهجه الأمني العسكري التدميري، وظل يراهن -وما يزال- على حسم بالقوة، وإن كان ثمن ذلك رهن قراره وسيادة البلد للاحتلالين: الإيراني والروسي، وهو ما فعله، وهو مستعد للذهاب إلى أبعد مدى في هذا الطريق.

كانت الرهانات تركب على عاملين:

1 – موقف دولي حاسم، يفرض الحل السياسي، وإن بالقوة، وعبر اللجوء إلى البند السابع في مجلس الأمن.

2 – ميزان قوى داخلية لصالح الثورة، يفرض التنازل على النظام، ويجبره على المفاوضات، والإذعان لقرارات الشرعية الدولية، خاصة بيان جنيف 1.

ولأن العاملين لم يتوفرا، وقد بانت النيات الأميركية بجلاء، وقوى المعارضة، خاصة المسلحة منها، عرفت تراجعات متتالية، برزت جلية بعد الاحتلال الروسي، وما مارسه على الأرض من حرب تدميرية، أضافت عاملًا جديدًا إلى أزمة العمل العسكري والفشل في توحيده واتباعه للقيادة السياسية.

على الرغم من وعي هذه الحقائق، كانت الموافقة على حضور “مفاوضات جنيف” ضرورية، ولا مهرب منها، فحضرها الائتلاف بثقل كبير، ومثل الاستشاريون رقمًا مهمًا في عدد الوفد الكبير الذي ظلّ يطرح السؤال عن سرّ ومسوّغات هذا التضخّم في العدد، والتسميات، وطبيعة مهمات الوفد الاستشاري، واقعيًا وليس نظريًا، على الرغم من أن وفد النظام كان محدود العدد.

بعد تشكيل “الهيئة العليا للمفاوضات” لم يعد الائتلاف الجهة المُحتكرة لتمثيل المعارضة في جنيف، فقد هبط العدد لأقل من الثلث، (أربعة في وفد المفاوضات) ولم يكن له دور في رئاسة الوفد، أو كبير المفاوضين، وإن كانت مساهمته في الإطار (الكادر) التقني هي الأبرز.

الوفد الاستشاري “حاص ولاص”، وهو يفتش عن مهمة محددة له فلا يجدها، فيحمّل المسؤولية لوفد المفاوضات الذي -من جهته- يحمل جولة جنيف “فارغة المحتوى” المسؤولية، وشيئًا خجولًا للهيئة العليا الموجودة بكثافة، وتحرص على أن تكون المرجعية المباشرة في كل الأمور، بما فيها التفاصيل، ومع ذلك؛ لوحظ العدد الكبير في وفد المعارضة، ومنسوب المحاصصة التي ضخّمت الوفد؛ فاختلط الحابل بالنابل: الهيئة العليا حاضرة بكل أعضائها، الوفد التفاوضي، الوفد الاستشاري، المستشارون الخاصون، نوع من التمثيل النسائي، الوفد الإعلامي، التقنيون بأعداد غفيرة، إلى جانب زوار ومشاركين قدموا للدعم أو تسجيل حضورهم، ومنظمات مجتمع مدني، وجمعيات نسائية، إلخ… والنتيجة لا شيء ملموس على صعيد المفاوضات، ثم توقيفها من الهيئة العليا.

في الجولة الرابعة حاولت الهيئة العليا تنظيم وفودها، لكنها كانت تحت ضغط تمثيل الفصائل المسلحة بنصف العدد، فاستجابت، وإن مكرهة، وكان لهذا أثره في تخفيض حصة الأطراف الأخرى، وأولها الائتلاف.. وشعور الائتلافيين بنوع من الغبن، ومن انزياح ثقلهم، وإن وجدوا العزاء في كون رئيس الوفد عضو في الهيئة السياسية، وفي عدد كبير من التقنيين الذين أسهموا إسهامًا ملحوظًا في عمليات التحضير والتواصل وإنجاز كثير من الأعمال، ثم في الوفد الإعلامي الذي برزت بصمته في تلافي كثير من الثغرات السابقة.. هذا الوضع الذي ظهر فيه الائتلاف، وشعور الائتلافيين بأنهم أدّوا دورًا بارزًا، أثارت حفيظة بعض من في الهيئة العليا؛ فتوالت الاتهامات والانتقادات، والفعل وردّات الفعل.

حين نأتي إلى الوفد الاستشاري تبدو الصورة أقرب إلى الكاريكاتورية تمامًا، فلقد شُكِّل الوفد من عشرين، كانت حصة الائتلاف فيه أربعة، وكنت أحدهم، وبذريعة ضغط النفقات، أو عدم تكفّل الدول الراعية والمانحة بالعدد مجتمعًا، ارتأوا تقسيمه إلى مجموعتين؛ تحضر كل مجموعة جولة من الجولات، وفق الأحرف الأبجدية، فلم يكن “نصيبي” في الجولة الأولى، وعلى أساس أن يكون في الثانية.

كان السؤال يثير الاستغراب: كيف يمكن لوفد استشاري أن يوزّع إلى قسمين، وكثير منهم لا يعرف بعضهم بعضًا، ومن ثَم؛ كيف تمكن مواصلة جهد الفريق السابق، والاستفادة من الجهد الذي يقوم به، ثم العكس أيضًا بمواصلة العمل.. وكأنها شبيهة بطريقة المناوبة، أو النوبات.

لعل العزاء الأكبر لهذا التقسيم أن الوفد الاستشاري لم تحدد مهمة واضحة له، فلم يجد ما يعمله سوى الشكوى، وبعض اللقاءات الجانبية، وإلقاء المسؤولية على وفد المفاوضات “الذي يهمّشه، ولا يعطيه دورًا”، ووفد المفاوضات، بدوره، يشتكي من التدخلات العامة والفردية للهيئة العليا الموجودة بكثافة تطرح الاستغراب، وتشتكي -هي كذلك- إما من طريقة دي مستورا، أو من مواقف النظام الرافض للدخول في الحل السياسي، أو من هذه الجهة أو تلك.

وفد المعارضة كبير جدًا؛ يتجاوز الثمانين شخصًا، ومعظمه لا عمل محددًا له، ويتضح ذلك بجلاء في واقع وفد الاستشاريين، في حين يُفترض أن يكون دورهم حيويًا، وأن يكونوا أهل خبرة واختصاص في المفاوضات، وبطبيعة النظام وأحابيله.

لذلك؛ وحين حصل خطأ غير مقصود أدّى إلى عدم مشاركتي، لاقى هذا الأمر ارتياحًا لدي، ليس لأن الوفد الاستشاري لا عمل ولا دور محددًا له وحسب، بل -أيضًا- لأن جولة جنيف -هذه- وسابقاتها، لن تُنتج شيئًا ملموسًا؛ لغياب إرادة دولية حاسمة، ما زالت تنتظر ما ستسفر عنه الإدارة الأميركية في عهد رئيسها الجديد ترامب، وموقع الحال السورية، أو الحل السياسي في اهتماماته وأولوياته، في حين تفيد المؤشرات، حتى الآن، أن جلّ الاهتمام ينصبّ على ما يُعرف بمحاربة الإرهاب؛ ما يعني أن الحل السياسي ما يزال بعيد المنال، وأن جنيف لن يكون مثمرًا.

ومع ذلك؛ فتخفيض عدد الوفد بعيدًا عن المحاصصات المفروضة، والتركيز على أصحاب الخبرة والاختصاص، ومنح الوفد الاستشاري الدور الطبيعي سيكون أمرًا مهمًا، وعلى “الهيئة العليا للمفاوضات” أن تتجه نحوه؛ مستفيدة من الدروس، ومن الجولات السابقة، ودونما حاجة إلى وجود معظم أعضائها في جنيف؛ إذ يكفي حضور عدد محدد منها، يملك صلاحيات القرار، إذا ما احتاج الأمر إليه.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق