مقالات الرأي

“الفرات” وتحولات السياسة التركية!

لم يأت الإعلان التركي “توقف عملية ‘درع الفرات’، بعد أن حققت أهدافها” بعيدًا عن سياقات السياسة التركية الجديدة التي جاءت مع تولي بن علي يلدريم رئاسة الحكومة، في مؤشر حمل معه تحولًا ملموسًا في السياسة الخارجية التركية، لم يكن إقصاء أحمد داود أوغلو، بسياسته وأفكاره، أحد تجلياتها فحسب، وإنما بدأت ملامحها بالتبلور تدرّجًا، منذ أن فتح صفحة جديدة في العلاقات التركية – الروسية، وتداعياتها على مجمل الأوضاع، في المنطقة عامة، وفي المسألة السورية خاصة.

لكن المتابع للشأن التركي، يُلاحظ أن التحول في الموقف التركي، قد بدأ مطلع عام 2014، حين قال الرئيس التركي السابق، عبد الله غول، ما معناه أنه يجب إعادة النظر في المواقف والسياسات، بما يخدم مصالح جميع الأطراف في المنطقة، وأن ذلك يتطلب الصبر والهدوء معًا. وقد قُلّل من شأن ذلك التصريح، وعدّ أنه لا يمثل تحولًا، بقدر ما يُعدّ ضرورة براغماتية تخدم القضية السورية.

تحولات وتقلبات

حافظت أنقرة على مسار تصاعدي واضح التحول، خلال الفترة الماضية، يعتمد على إبراز أولوية مصالحها القومية، في ظل أوضاع مضطربة، خاصة وقد بدت، وكأنها تستجيب لضغوط شتى، تلمّست مفاعيلها في محاولة انقلاب تموز الماضي. لكن تركيا لم تُخف يومًا هذه الأولوية، وإن لم تكن تُظهرها إلى العلن بصورة مباشرة، فخطابها السياسي، كان وما يزال يحمل بعدين: أحدهما موجه للتأثير في مجرى الأحداث على الأرض، بالتماس مع حدودها الجنوبية، بما يشبع رغائبها بلعب دور إقليمي، مثلما يفترض بدولة تمتلك قدرات كبيرة لإنعاش أحلام تاريخية، ما فتئت تتنافس في ذلك مع قوى أخرى، مثل إيران بمشروعها الصفوي في المنطقة. وفي هذا الخطاب رسائل مهمة إلى الداخل التركي، ونخبته السياسية.

أما البعد الثاني، فيتصل بالسعي إلى انتزاع اعتراف دولي، بأهمية الدور التركي، وقدرته على القيام بمهمات حاسمة في الصراعات والنزاعات القائمة. لكن أيًا منها لم يؤد إلى نتائج فاعلة. فالسياسة والموقف التركي كان أقرب إلى المراوغة، وانتهاز الأوضاع الملائمة، ناجمًا عن حجم الضغوط التي وجدت أنقرة فيها نفسها، بدءًا بتوتر العلاقات مع إدارة الرئيس الأميركي أوباما، واعتراضها الدائم على المخططات التركية في الشمال السوري، وصولًا إلى موقف إدارة ترامب، التي تُعدّ أكثر حدّة في تحجيم الدور التركي، في المسالة السورية.

يمكن القول إن الموقف التركي حيال المسالة السورية اتسم بخصيصتين: هما التحول والتقلب. وحين نتحدث عن ذلك، فهذا لا يعني انتقاصًا من قيمة موقع تركيا في دعم الثورة السورية، وهو الموقف المبدئي الذي لم يطله تغير حتى الآن في الملامح العامة. ولعل ذلك مرتبط بثلاثة محددات:

– العلاقات بين الدول الحليفة؛ فقد أدى تراجع، أو انكماش دور الدول الداعمة للثورة السورية، إلى بقاء تركيا، وحيدة في المواجهة، وذلك ناجم من حجم المسؤوليات التي تفرضها تطورات النزاعات والصراعات التي أضحت تحفل بها المنطقة. التحول في المواقف والسياسات طال مجموعة أصدقاء سورية، ومن ثم؛ أدى ذلك مع سياسة أوباما، إلى إضعاف كل من الدور السعودي والقطري، ومن ثم؛ فإن تركيا ليس بمقدورها تحمّل أعباء اختلال التوازنات، على وقع متطلبات الداخل، وتقلبات الخارج.

– مواقف واشنطن من الدور التركي، حيث اصطدمت مخططات أنقرة بشأن تأمين الشمال السوري، وإقامة منطقة عازلة، برفض أميركي مباشر وصريح. وعلى مدار عدّة سنوات، كانت إدارة أوباما تطالب تركيا بتعاون أوسع في مراقبة نشاط قوى المعارضة السورية، وخاصة المسلحة منها، والحدّ من تدفق “المقاتلين، والأسلحة” إلى سورية، وأن يكون دورها أساسيًا عبر التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب. وقد عملت واشنطن في إضعاف متواتر للدور التركي، ومارست ضغوطًا على حلفائها، لمنع اتخاذ خطوات، أو القيام بأعمال دون الرجوع إلى واشنطن وموافقتها المسبقة، مثال ذلك عاصفة الشمال، والمنطقة العازلة، والمشاركة في “تحرير الرقة”. إضافة إلى تجذّر الخلاف بينهما حول استخدام ميليشيا صالح مسلم، بعدّها أداة برية ضاربة في الشمال السوري.

– مع إسقاط الطائرة الروسية، تكّشف الموقف الأطلسي، ليترك تركيا عارية أمام التحديات، وهو ما أجبرها على توثيق العلاقات مع موسكو، وكذلك إيران، وهي خطوات أخذت بالتسارع، مع ازدياد حجم الضغوط، وبقاء تركيا بلدًا شبه معزول عن محيطه الإقليمي والدولي. خاصة في ظل تطور الخلافات مع دول أوروبية، بشأن السياسات الداخلية التركية.

وفّرت الأوضاع الداخلية والإقليمية مناخات ملائمة، لتصل التحولات والتغيرات التركية إلى نقطة مفصلية في اتخاذ قرار ينهي عملية “درع الفرات”، وكأن أنقرة تنحني للعاصفة؛ كي تمرّ بسلام!

التوقف والإنجاز

هل هناك –إذن– إعادة رسم للدور التركي؟ هذا السؤال يطرح نفسه، مع إدراكنا العميق أن خيبة الحكومة التركية من الاستمرار في المضي في خططها، في ظل رفض أميركي، وعجز تركي عن فرض أمر واقع، حاولت القيام به عبر “درع الفرات”، لكنها لم تنجح. في اعتقادي أن عدم الاستجابة لطلب تركيا في أن تشارك قوة رئيسة في تحرير الرقة، هو الدافع الجوهري، لإعلان مجلس الأمن التركي عن وقف عملياتها العسكرية المساندة للجيش الحرّ. وهذا يمثل ردًا مباشرًا على دعم الولايات المتحدة لتمدد “قسد” التي قطعت طريق التوجه شرقا، نحو منبج؛ ومن ثم الرقة، وأفسحت الطريق أمام نظام الأسد؛ كي يتقدم بدعم روسي.

لم تنته أغراض “درع الفرات”، فخطر تنظيم الدولة الإسلامية ماثلُ، وإقامة كيانات كردية ما تزال محاذيره قائمة، وإن كانت تركيا قد أمّنت حدودها غرب الفرات، فإن ميليشيا صالح مسلم تسيطر على المنطقة الممتدة من اليعربية حتى عين العرب، وهي تجاور أشد المناطق التركية حساسية، بوصفها مناطق “ذات أغلبية” كردية. إذن، ليس ثمة ما يدرأ مخاطر دور حزب العمال الكردستاني (في نسخته السورية) حال تدهور العلاقة بين الأكراد وأنقرة.

على الوجه الآخر، فإن محدودية المنطقة الجغرافية التي أمّنتها “درع الفرات” لا تشكل أنموذجًا لخلق منطقة استقرار آمنة، بالقدر الذي سيجعل منها خزانًا بشريًا، يقام فيه مزيد من مخيمات المهجرين، مع محدودية الموارد، واحتمال تنامي عمليات النزوح والتهجير من مناطق الفرات الأوسط، مدينة الرقة وريفها الذي يشهد مرحلة جديدة من عمليات ما يسمى “غضب الفرات”؛ لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية. وحيث تتسبب كل من المجازر بحق المدنيين، وفيضان أقنية الفرات (قناة البليخ مثالًا) بموجات نزوح تدريجي للأهالي.

مؤشرات

تطورات الموقف التركي تشير إلى انكفاء دور أنقرة في المسالة السورية، وقد يبقى إطاره السياسي في المرحلة المقبلة دورًا هامشيًا وظيفيًا، بحكم علاقتها مع الفصائل السورية المسلحة، وقوى المعارضة السورية، التي تستضيفها فوق أراضيها، إضافة إلى ما ينوف عن مليوني لاجئ – مهجر سوري. ورأس مال ورجال أعمال وأيدٍ ماهرة، لم تستطع أن تكوّن قوة ذات تأثير في القرار التركي المتعلق بمصائرها، حتى اليوم.

المهم في المسألة، أن الثورة السورية باتت أكثر انكشافًا، ولم يعد ثمة من يقدم لها قوة الدعم السياسي والمعنوي الذي تحتاجه، خاصة في ظل تغوّل الموقفين: الروسي والأميركي اللذين يريدان التسلط والسيطرة على كل شيء؛ خدمة لمصالحهما التي تتعارض ومصالح الثورة السورية بالتأكيد. وفي غياب الدور التركي الفاعل، ستزداد المعارضة السورية ضعفًا، هشاشة وضياعًا، وتزداد الحالة السورية ألامًا ومآسيَ، ما لم يحدث شيء ما، يغير واقع الحال.

مقالات ذات صلة

إغلاق