سورية الآن

حتى بعد «القمة»… نحن وإيران

إنها “مصادفة” بالتأكيد، إذْ إنه لا علاقة بين أنْ تنعقد القمة العربية، قمة الظروف الصعبة، في الأردن في البحر الميت، وأن ينكسر في اليوم ذاته ضلع رئيسيٌّ في صدر الاتحاد الأوروبي، مع إعلان بريطانيا العظمى بعد كل هذه السنوات الطويلة خروجها من هذا الاتحاد، الذي يبدو أنه سيواجه مصيراً مظلماً ومحزناً إن فاز اليمين المتطرف، بزعامة مارين لوبن، بالانتخابات الرئاسية الفرنسية، التي من المقرر إجراؤها بعد أيام، والواضح أنها لن تفوز، فالنزعة الانشطارية تجتاح أوروبا كلها، وقد تحل المأساة بالإمبراطورية، التي لم تكن تغيب عن أملاكها الشمس، إذا أصبحت سكوتلندا دولة مستقلة.

لقد حققت قمة البحر الميت نجاحاً، ما كان حتى المتفائلون أكثر من اللزوم يتوقعونه، أولاً بانعقادها بكل الدول العربية، وهذا إذا اعتُبر حضور المعارضة السورية، وإنْ بصفة مراقب حضوراً لسورية، وثانياً ببروز اتجاه عربيٍّ، كمحور إذا أردتم، لديه أكثر من الحد الأدنى من الاتفاق على القضايا الرئيسية، وأهمها بالطبع القضية الفلسطينية، ومواجهة التمدد الإيراني المدعوم من روسيا الاتحادية في هذه المنطقة، والقضاء على الإرهاب الذي أُقْحِمَ إقحاماً على الأزمة السورية، وليكون الخيار بين نظام بشار الأسد و”داعش” الذي زيادة في التضليل أُعطي اسم “الدولة الإسلامية”!

وحقيقة أنَّ المشكلة التي ستواجه العرب، بعد قمة البحر الميت، هي أن بعضهم، رغم قرارات هذه القمة، ما زالوا “يغزلون ناعماً” مع إيران التي تجاوزت كل الحدود، وغدت تحتل عملياً وفعلياً بعض الدول العربية، وما زالوا يتبعون سياسة “التقية” التي التزمها الإيرانيون منذ نجاح ثورة عام 1979، فهؤلاء، أي بعض العرب، أبقوا، منذ أن تجاوزت طهران كل الحدود في تدخلها في “شؤوننا” الداخلية، رؤوسهم هنا “عندنا” وقلوبهم وعقولهم هناك عند الولي الفقيه، وبالطبع فإن المبررات في هذا المجال متعددة وكثيرة.
كل هذا بينما الواضح أنَّ إيران، التي أردناها إنْ في عهد الشاه محمد رضا بهلوي وإنْ بعد ثورة عام 19799، دولة شقيقة تربطها بالعرب دينياً وحضارياً وثقافياً عرى وعلاقات أخوية كثيرة، مصرة على مواصلة “الغزل بالمغزل نفسه”، وحيث العنوان لا يزال هو ما بقي يقوله كبار جنرالات حراس الثورة، وما بقي يردده بعض كبار المسؤولين في طهران، وهو أنهم يملكون قرار العديد من العواصم العربية وأنهم يتطلعون إلى السيطرة على شواطئ المتوسط “الشرقية” وهنا، وهذا يجب أنْ يُقال وبكل صراحة، فإنه على هؤلاء الأشقاء “المقصودين” بهذا الكلام، وهم يعرفون أنفسهم، أن يعرفوا أنه “إنما يستهدف الذئب الشاة المنفردة”، وأن من يواصل الإصرار على احتلال العواصم العربية التي يحتلها لن يترك عواصمهم وشأنها… فهناك مثل يقول: “أكلت يوم أكل الثور الأبيض”، ونحن نريد إيران فعلاً دولة شقيقة وصديقة عزيزة، لكن الواضح أن الأكثر تطرفاً في هذا البلد الذي من المفترض أنه الأقرب إلى أمتنا بحكم التاريخ المشترك والإسلام العظيم، مصممون على التمدد في ما يعتبرونه مجالاً حيوياً لـ”إمبراطوريتهم”، واستعادة ما يعتبرونه أمجاد “فارس” القديمة!.

(*) كاتب أردني

Author

مقالات ذات صلة

إغلاق