كلمة جيرون

أكراد غير معنيين

اعتقد السوريون -خلال خمسة عقود- أن لهم شركاء أكرادًا معذبين، مظلومين ومقموعين مثلهم، متعبي الحال كحالهم، يعانون المعاناة نفسها، يواجهون أزمة الحرية نفسها، يطحنهم ويعذبهم النظام العتي نفسه، ويواجهون معًا الأجهزة الأمنية الهمجية المجرمة نفسها.

اعتقد السوريون -خلال خمسة عقود- أن لهم أخوة أكرادًا شركاء في الحلم، لهم الرغبة نفسها في دولة ديمقراطية حرّة، والتوق نفسه إلى دولة المواطنة والعدالة والمساواة، دولة الحقوق والواجبات، والحلم نفسه بوطن آمن ومستقر، بعيدٍ عن أي تمييز عرقي أو طائفي أو اثني.

بعد ست سنوات من الثورة، صارت هذه الاعتقادات محلّ شك وارتياب، ليس بسبب فعل ارتكبه الأكراد، بل على عكس الرائج، بسبب ما لم يفعلوه.

خلال ست سنوات، شهد الأكراد كيف هجّر “حزب الاتحاد الديمقراطي” الكردي، وميليشياته المسلّحة، نحو مليون من الأكراد من شمالي سورية، هربوا من تجنيده الإلزامي وقمعه وسجونه، ولم يفعلوا شيئًا. ثم شهدوا كيف فرض سطوته على كل القوى والأحزاب الكردية السورية، ورفضها وأذلّها، وزجّ بعض قادتها في السجن ونفى آخرين، ولم يفعلوا شيئًا.

خلال ست سنوات، شهد الأكراد السوريون، شركاء الوطن، كيف فرض هذا الحزب، وميليشياته المسلحة، إدارة ذاتية منبوذة من الغالبية السورية، ولم يتحركوا، وكيف استجلب أكرادًا غيرهم لـ “عين عربهم” المُدمّرة، وفرض قادة عسكريين غرباء لميليشياته، من أكراد تركيا وجبال قنديل، وجنّد أطفالهم القُصّر وفلذات أكبادهم في حربه، ولم يتحركوا.

شهد الأكراد، خلال عمر الثورة، كيف حرق هذا الحزب وميليشياته قرًى يقطنها عرب وآشوريون وتركمان وأكراد، وهجّرهم، ثم استخدم المرأة الكردية الأبيّة سلعة في دعايته الحربية، فجنّدها في ميليشياته لكسب تأييد الغرب باسم تحرر المرأة، ولم يتحركوا، وأتى بناطقات باسمه لا يعرفن العربية، ولا يعرفن مدنهم وبلداتهم، ولم تطأ أقدامهن -من قبل- أي بلدة شمالية، ولم يتحركوا.

خلال ست سنوات، شهد الأكراد السوريون، كيف تعاون ثعلب هذا الحزب مع النظام السوري، ثم تآمر مع ملالي طهران، وبعد ذلك انتقل؛ ليتعامل مع الروسي الغازي، وأخيرًا مع الأميركي، متنقلًا من تحالف سيء إلى تحالف أسوأ، دون أن يطرف له جفن، ولم يتحركوا.

خلال ست سنوات، شهد الأكراد، شركاء الوطن، كيف حرصت المعارضة السياسية على إشراكهم في كل التكتلات السياسية المعارضة، شريكًا كامل الحقوق، متساويًا في الواجبات والحقوق، بينما سعى ذلك الحزب إلى زيادة الشرخ بينهم وبين بقية السوريين، وخلق حروبًا هامشية رخيصة مع قوى عسكرية “معارضة” لا يعترف أصحاب الثورة بأحقية تمثيلها للثورة أساسًا، ولم يتحركوا.

شهد الأكراد، طوال ست سنوات عجاف، كيف خلق هذا الحزب عداوات مع بقية السوريين، تارة باستبدال أسماء القرى التي “يحتلها” بأسماء كردية، ويشطب العربية، وتارة بفرض علمه علمًا جمهوريًا لجمهورية وهمية، وتارة باحتلال مناطق لا وجود كرديًا فيها، لا حاضرًا ولا ماضيًا، وفرضه إدارة ذاتية كردية عليها، وعسفه فيها، ولم يتحركوا.

كذلك، شهد الأكراد، كيف حرق هذا الحزب وميليشياته -حالهم كحال النظام- أحلامهم وأحلام أبنائهم، وهجّرهم إلى تركيا وأوروبا وشرّدهم، وصادر بيوتهم وأراضيهم ومحلاتهم، بذريعة “تشغيل مال الغائب”، وكيف زرع بذور التنافر والعداء بينهم وبين بقية السوريين، عربًا وآشوريين وسريانَ، ولم يتحركوا، بل وشجّع بعضهم هذا الحزب على أفعاله الشنيعة.

من حق الأكراد إلقاء اللوم على المعارضة السورية؛ لأنها لم تضع حدًا لهذه الممارسات، لكنهم في حال كهذه يُخطئون؛ لأنهم ينسون أن هذه المعارضة ضعيفة مرحليًا، لمئة سبب وسبب، ولا حليف لها ولا بواكي، وهي غير قادرة على فعل شيء أمام هذا التسلط.

كذلك من حق الأكراد إلقاء اللوم على الفصائل المسلحة، إسلامية الطابع، المشكوك بأمرها أساسًا، التي انساقت مع تحريض هذا الحزب، فصارت متشددة ومتطرفة مثله، عمياء عشواء، لكنهم في حال كهذه يُخطئون؛ لأنهم ينسون أن هناك نفور سوري عام من هذه الفصائل، ولا يمكن، لا الآن ولا في أي وقت، أن تكون ممثلًا لثورة الحرية والكرامة.

كذلك، يمكن للأكراد أن يقولوا إنهم ضعفاء أمام هذا الطغيان، ولا حول لهم ولا قوّة أمام هذا الحزب وقواه وميليشياته وشروره، لكنهم في حال كهذه يُخطئون أيضًا؛ لأن السوريين ثاروا قبل ست سنوات على طاغية “دمشقهم”، على الرغم من عنفه وإجرامه، والأكراد ليسوا بأقل شكيمة وأنفة، وهم قادرون على الثورة على طاغية “عين عربهم” قبل فوات الأوان.

(*) “للضرورة، اقتضى التنويه، أن “غير المعنيين” بهذا المقال هم “البعض” على الرغم من ضخامة هذا “البعض.

مقالات ذات صلة

اقرأ أيضاً

إغلاق
إغلاق