أدب وفنون

التغريبة السورية: تشوهات حكم البعث

مرت سورية في القرن الماضي بعيد إعلان استقلالها عام 1946 وحتى انقلاب البعث عام 1963 بعدة انقلابات عسكرية، كان العامل المؤثر الأكبر في حدوثها يتبع للمصالح الدولية والإقليمية ومن ثمّ المحلية، فمرة تميل كفة موازين القوى نحو اليمين ومرة نحو اليسار، وفي كل مرحلة من هذه الانقلابات العسكرية كانت تُتّبع سياسة تكميم الأفواه والاعتقالات والاغتيالات، وقد حدث هذا على مراحل زمنية تتخللها سنوات من الحكم المدني شبه الديموقراطي، حيث يكون  للأحزاب السياسية الحرية في العمل والتعبير عن الرأي، واستمر الحال إلى أن جاءت الوحدة بين سورية ومصر، وصار عبد الناصر متوجًا كزعيم أوحد، وكما جرى في الانقلابات العسكرية التي سبقته، راحت أجهزة أمنه ومخابراته تعمل على اجتثاث كل وجود للأحزاب المناوئة له بدء من الشيوعيين وانتهاء بالإخوان، ومثل أي حاكم عسكري اتّبع سياسية قمع حريات أي معارضة باسم الحفاظ على أمن الوطن وسلامته.

كانت تلك المرحلة الزمنية قلقة جدًا، وفي تلك الأوضاع المتخبطة كان صعبًا على الكفاءات العيش، وأضحى وضع المثقف غير آمن وحر، لشعوره بالغربة داخل وطنه، مما اضطر الكثير من المثقفين إلى الهجرة سعيًا وراء ظروف أكثر حرية واستقرارًا، في بلدان انتهجت السياسة الديموقراطية، وصار تأثيرهم على المجتمع أقل.

رحلة الحياة في زمن الموت:

كانت الوحدة بين سورية ومصر حلمًا عربيًا فشل في الاستمرار، ومع كل ما كُتب عن أسباب فشل هذه التجربة الوحدوية سياسيًا، والتي لم تستمر لأكثر من ثلاث سنوات، إلا أن الأمل بتحقق الحلم من جديد بقي موجودًا لدى فئات كبيرة من عموم الشعب العربي، وخاصة تلك التي تثقفت بالأيديولوجيا القومية، كالحركة الناصرية وحزب البعث، وما إن أُعلن الانفصال بين البلدين في أيلول/ سبتمبر 1961 إثر انقلاب عسكري قام به مجموعة من الضباط السوريين على رأسهم عبد الكريم النحلاوي، حتى بدأت مرحلة جديدة من الانقلابات العسكرية في صراع على السلطة دام عامين تقريبًا، حتى استلام حزب البعث الحكم نهائيًا في الثامن من آذار/ مارس 1963.

شهد حكم البعث في بداياته تقلبات وصراعات وانقسامات بين قياداته القومية والقطرية، وكذلك بين تيارين في داخله، اليميني واليساري، وجرى تسريح ضباط من الجيش من غير البعثيين، وكان حينها حافظ الأسد وزيرًا للدفاع، واستمر الصراع وازدادت حدته مع هزيمة حرب 1967 حتى أحداث أيلول/ سبتمبر الأسود في الأردن عام 1970، والتي أعقبها فورًا قيام حافظ الأسد بانقلابه الذي سماه الحركة التصحيحية في 16 تشرين الثاني/ نوفمبر من نفس العام، وتولى حافظ الأسد رسميًا رئاسة سورية من عام 1971 وحتى وفاته عام 2000.

خلال تلك المرحلة اعتمد البعث على المخابرات لتعزيز حكمه وترسيخ قاعدته، فأغرق سورية بالرعب من عمليات الخطف والتعذيب والاعتقال، وبعد أن استلم الأسد سدة الحكم قام بتوسيع الأجهزة الأمنية التي تحيط به، فأسس بالإضافة لجهازي المخابرات العسكرية والقوى الجوية وجهاز أمن الدولة، جهازًا أخر باسم “سرايا الدفاع”، سلّم قيادته لأخيه الأصغر رفعت الأسد، الذي كان يرى في نفسه الخليفة المُرجّح للحكم وقيادة البلاد، وقد أعطى حافظ الأسد لهذا الجهاز العسكري الأمني تفويضًا واسعًا على مؤسسات الدولة وأجهزتها كافة خوفًا من أي انقلاب عسكري قد يحدث، وقام رفعت بمحاولة انقلابية لعزل شقيقه الأكبر خلال أزمة مرضية مرّ بها عام 1984، وقد كتب سياسيو سورية في تلك المرحلة للتاريخ الكثير من الشهادات المتعلقة بهذه الحادثة التي انتهت بخروج رفعت الأسد من سورية إلى منفاه.

كانت سرايا الدفاع ومن يقودها اسمًا ممقوتًا ومُرعبًا لدى المواطن السوري، أكثر من أي جهاز أمني استخباراتي آخر، لما عُرف عنها من شراسة ودموية، وأضحت سيفًا مسلطًا على رقابهم وأموالهم وأعراضهم، وقد كانت المسؤولة عن مجازر حماه وقصفها لإخماد معارضة الإخوان المسلمين في عام 1982؟

لم يكن لهذه الأجهزة أي حدود لسلطتها في الواقع إزاء تنفيذ الاعتقالات والتفتيش والاستجواب فالحجز. ومن الناحية العملية لم يُعرض ولا سجين واحد من بين آلاف السجناء المحبوسين لأسباب سياسية على محكمة ما للنظر بأمره. ومن ناحية أخرى كانت تُثقل ميزانية الدولة بنفقاتها الباهظة، وما كان الحل لتفادي هذا الثقل إلا سياسة التقنين التي اتبعها نظام الحكم على المواطن السوري، مما أدى في مقابل ذلك إلى تنامي التهريب وانتشار الفساد، وقد يسّر النظام بأجهزته المخابراتية المسيطرة على الدولة عمليات التهريب التي كانت تجري في مستواها الكبير ومستواها الشعبي.

ضمن كل هذه المحظورات والممنوعات، كان ممنوعًا على المواطن نشاط حر، إذ أن الحظر المُطبّق على المجتمع المدني يمنعه حتى من تشكيل جمعيات ونواد ثقافية وترفيهية، إلا ما كان منها تحت سيطرة أجهزة المخابرات ونظام البعث الحاكم، ووصل الأمر إلى الحد الذي بات فيه أي نشاط يريد أن يقوم به الإنسان السوري يحتاج إلى تصريح من تلك الأجهزة المسيطرة على الدولة، حتى الحفلات والأعراس!

انتشار الرعب والفساد وكبت الحريات والطائفية المبطنة والمحسوبيات في إيجاد فرص العمل وديكتاتورية النظام الحاكم، جعل الهجرة تتضاعف خلال هذه السنوات، سواء من قبل المعارضين للنظام الحاكم وهربًا من بطشه، أم من فئة الشباب المتعلم المتطلع إلى تحسين مستوى حياته العملية والخاصة.

في هذه المرحلة من سبعينيات القرن الماضي، وحتى بلوغ القرن الحادي والعشرين، أي مرحلة حكم الأسد الأب، كانت الهجرة تتجه صوب الشرق، إلى دول الخليج العربي التي كانت قد بدأت بالنهوض كدول نفطية غنية تستقطب الشباب العربي المتعلم بحثًا عن عمل، أو ذاك الهارب من بطش الأنظمة الحاكمة، وقد كانت السعودية في ذلك الحين الحاضن لأغلب المهاجرين المعارضين الفارين من الحكم الأسدي، وبالخصوص ممن هم من جماعات الإخوان المسلمين، بينما كان غالبية المعارضين للنظام من العلمانيين يتجهون صوب فرنسا ودول أوروبا الغربية وأمريكا.

رحلة المهاجر عن العرب والعروبة:

طوال القرن الحادي والعشرين، كان السوريون يعيشون حالة الطوارئ والأحكام العرفية الأطول والأقدم في العالم، والتي صدرت بموجب الأمر العسكري رقم 2 عن مجلس قيادة الثورة في 8/ 3/ 1963، وهي تمنع أي معارض من التعبير عن رأيه بحرية وممارسة حقوقه السياسية، ومع ادعاءات الحكومة السورية والإعلام السوري بأن هذه المرحلة الجديدة من الحكم في سورية بقيادة الابن بشار الأسد هي مرحلة انفتاح نحو العالم والدخول إليه من أوسع أبواب العلم، كان  ذاك الأمر العسكري يقف بالمرصاد لمجابهة أي كلمة تصدر من معارض له أو منتقد.

كانت تلك الادعاءات بالانفتاح أشبه باستعراضات مسرحية تُقدّم للعالم الخارجي وإعلامه وللمواطن السوري بين حين وآخر، وكان المواطن ينتظر من رئيسه إصلاحات على كافة الأصعدة، وظلّ هكذا بآماله يتأرجح بين خوف من المحظورات التي تواجه كل حقوقه كمواطن وبين أمله بالتخلص منها، حتى فقد الأمل نهائيًا من أي إصلاحات تُرتجى من نظامه، فكسر حاجز الخوف وأطلق صرخته معلنًا بدء ثورته على فساد النظام، متأثرًا بموجة الاحتجاجات الشعبية العارمة التي اندلعت في الوطن العربي وخاصة في تونس ومصر ضد الأنظمة الحاكمة، وكانت أول تظاهرة ضد الاستبداد والقمع وكبت الحريات قد انطلقت في آذار/ مارس 2011، بعد اعتقال أطفال درعا الذين كتبوا على جدار مدرستهم شعارات تنادي بالحرية. ثم انتشرت المظاهرات والاحتجاجات في مختلف المدن السورية، تُطالب بإجراء إصلاحات سياسية واقتصادية واجتماعية، ورفع الشباب الثائر شعار (الله، سورية، حرية وبس)، لكن قوات الأمن والمخابرات السورية وميليشيات موالية للنظام عُرفت بـ “الشبيحة) واجهتهم بالرصاص الحي فتحوّل الشعار إلى (الشعب يريد إسقاط النظام).

هنا بدأت مرحلة حرب دموية مُعلنة من قبل النظام الحاكم وبشار الأسد على الشعب السوري الثائر لأجل كرامته وحقوقه، وقد برر الأسد حينها إعلان حربه تلك بأنها مؤامرة تتعرض لها سورية وهو شخصيًا من الغرب وأمريكا وإسرائيل منذ أن تولى الحكم، وأعلن أن هذه الحوادث هي من تنفيذ متشددين وإرهابيين من شأنهم زعزعة الأمن القومي وإقامة إمارة إسلامية في بعض أجزاء البلاد، وبدأ الإعلام يُصدِّر روايته عن فتنة طائفية هدفها تمزيق الدولة السورية، ولكن المظاهرات من شباب الوطن الذي يبحث عن انتماء وطني حقيقي يضمن له العيش بكرامة وممارسة حقوقه المشروعة ضمن نظام ديموقراطي حر لا ينتمي لطائفة أو مذهب أو حزب، قد استمرت وبتكثيف أكبر، وتتالت الجمع الثورية بتسميات مختلفة، بينما أعلن النظام حربه على “الإرهاب” تصديقًا لرواية رئيسه، ونزل الجيش إلى الشارع، وامتلأت المدن الثائرة بالدبابات، تقصف المتظاهرين، وبهذا بدأت المرحلة الدموية الأقصى في تاريخ سورية.

في بداية الثورة، كان يستشهد العشرات من المتظاهرين السلميين يومياً، برصاص النظام وقذائفه، وكانت حصيلة الشهر الأول من الثورة مائة وتسعة عشر شهيدًا حسب إحصائيات مركز توثيق الانتهاكات في سورية، وبعد مضي أشهر عدة بدأ الثوار بتشكيل كتائب مسلحة للدفاع عن ثورتهم وعن أنفسهم، وبدأت المعارك تحتدم بين الطرفين حتى أصبحت الثورة السلمية حربًا بين نظام ومعارضة ثورية مسلحة، وبنفس الوقت انخفضت حدة المظاهرات داخل المدن الثائرة التي رفعت شعارات سلمية تنادي بوحدة صف الشعب، أبرزها (واحد واحد واحد، الشعب السوري واحد) وأغان ثورية وطنية أجملها (جنة جنة جنة سورية يا وطنا).

ما إن مضى أول شهر للثورة حتى بلغ عدد الشهداء 2500 شهيدًا في ذلك الشهر، وظل العدد في تصاعد، فبلغ في الشهر الثامن من عام 2012 نحو 6250 شهيدًا، وشهر وراء آخر تضاعف العدد، وأغلبهم من المدنيين، بسبب قصف المدن والأحياء السكنية بشتى أنواع الأسلحة من الترسانة السورية بما في ذلك المحرمة دوليًا، من قنابل عنقودية وسلاح كيماوي والاختراع السوري العجيب البراميل المتفجرة!

مع تدويل ورفع القضية السورية بالسنة الأولى من جامعة الدول العربية إلى الأمم المتحدة، ومع عدم التوصل إلى حل سياسي، ومع استمرار النظام بما سماه من عمليات تطهير المدن من الثوار، ومع افتقاد الثورة الشعبية لمعارضة خارجية تتناول قضيتها بأمانة وطنية، وأمام هذا المشهد الدموي لم يبق للسوري إلا الهرب من هذه الحرب المستعرة، فكان النزوح الأول داخل المدن، ومع استمرار العنف ومشاهد الموت اليومية وعمليات الخطف والقتل والاعتقال العشوائي والتعذيب حتى الموت في سجون النظام، بدأ الشعب السوري بالنزوح إلى بلدان الجوار، الأردن ولبنان وتركيا، لعله يجد فيها حاضنًا له!

لم تكن الحاضنة العربية أكثر رحمة من بطش النظام، فشهد النازحون في الكثير من المخيمات التي أقيمت لهم أقسى العذابات، يصل بعضها للموت نتيجة انعدام المقومات الإنسانية ضمن تلك المخيمات وانتشار الأمراض والأوبئة.

فقد الإنسان السوري بشكل عام إيمانه بالعروبة، وصار اليأس يضرب بحياته أينما مضى باحثًا عن قوته وملاذ آمن له، فآثر الهرب من هويته العربية بعد أن هرب أولًا من سوريته إلى عالم مجهول له بمقوماته الاجتماعية، لكنه عالم له خرائط وطنية سيادية ونظمًا سياسية ديموقراطية، عالم يُقدّم له العدالة الإنسانية ويحترمه كإنسان، وذلك بحثًا عن هوية جديدة وجواز سفر يكتب فيه اسمه العربي بحروف لاتينية. ولكن.. هل سيلتفت الغد إلى هذا الشعب السوري المشتت في أصقاع الأرض؟ وماذا سيُكتب عن تاريخ سورية خلال القرن الأخير، وتاريخها كان عبر عصور ماضية نسرًا محلقًا في سماء المجد، لكن أجنحته تكسرت، ومخالبه ضعفت، فترك قمم الجبال وهبط السفح ليموت!

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق