مقالات الرأي

ست سنوات عجاف في تاريخ سورية

“تشابهت الثورات العربية كثيرًا مع الثورة الفرنسية، ولا سيما في جوهر أسبابها التي انبثقت من الوضع الاقتصادي المُحبِط، وزيادة أعداد البطالة وانتشار الفساد والديكتاتورية، ولا يمكن القول إن الثورات العربية فشلت، وليس صحيحًا أن نُطلق عليها (الربيع العربي)، فهذه الثورات ليست ربيعًا وليست تمردًا، لكن ما نراه ثورة حقيقية، وهي مجرد بداية لعملية تغيير ستأخذ وقتًا طويلًا، فالتحول الديمقراطي صعب، لكنه ممكن وليس مستحيلًا”.

كورت دي بوف. سياسي بلجيكي

 

مع دخول الثورة السورية، وقد يعطيها بعضهم أسماء مختلفة، عامها السابع، لابد من التطلع إلى الوراء لدراسة السنوات الست التي طويت، فبعضهم قد رحّلها ونعاها، ولكن هناك كثير من القوى الوطنية لا تزال، على الرغم من كل العَجَف الذي وسمها، تعدّ الثورة لا زالت مستمرة.

لو أردنا أن نجرد السنوات الست، فلسوف نؤكد على ما قاله كورت دي بوف، بأنها ” بداية -فحسب-لعملية تغيير ستأخذ وقتًا طويلًا”، لأن “التحول الديمقراطي صعب، لكنه ممكن وليس مستحيلًا”.

البداية كانت بتطلعات أطفال درعا الذين قرروا أن يُسقطوا النظام الذي لا يُمثّلهم؛ لتنطلق في معظم المدن السورية صرخات تدعو في بدايتها إلى الإصلاح الذي لم يتجاوب معها رأس النظام؛ ما طور الشعارات إلى تغيير النظام السرطاني المتمثل برأس النظام الطاغية الأسدي.

في بداية الثورة كتب الراحل الكبير جورج طرابيشي مقالًا بعنوان “النظام السوري إصلاح أم إلغاء” يصل في نهايته، إلى أن النظام لا يمكن إصلاحه إلا بإسقاطه، وهذا ما جرى بالفعل، فالنظام رفض أي إصلاح، وهذا الرفض أدى إلى تجذير الشعارات، وصولًا إلى الدعوى لسقوط النظام.

عمليًا سقط النظام على الرغم من تماسكه، لكن هذا التماسك إلى ماذا يستند؟ إنه يستند إلى الخارج، فالداخل قد أسقطه، فالجيش الذي كان يعتمد على المجندين قد انهار؛ لأن الجندي الوطني السوري لن يقتل شعبه، إضافة إلى أن هذا الجيش ليس جيشًا وطنيًا، بل جيشًا “عقائديًا”، فلا يقاتل الجيش السوري من أجل الشعب بل ضده.

يعرف النظام أنه لا يمكن أن يتماسك إلا بالاستناد إلى الخارج، وهذا ما أكدته طبيعة القوى التي ساندته، في البداية كانت مليشيات شيعية، لبنانية وعراقية، دخلت بذريعة “حماية المراقد الشيعية المقدسة”، وقد أدى فشلها إلى اضطرار النظام إلى طلب الدعم الإيراني الذي كان يطمح إلى التغيير الديموغرافي الذي نراه اليوم، لتشييع سورية وتحقيق فكرة “الهلال الشيعي”، وهو ما لمح إليه الملك عبد الله الثاني، ملك الأردن، حتى قبل بدايات الثورة.

أيضًا فشل الإيرانيون في هزيمة الشعب السوري؛ ما دفع الأسد وحاشيته من القوى الأمنية إلى طلب دعم القوى العسكرية الروسية التي استخدمت سياسة الأرض المحروقة؛ ما أدى إلى سقوط كثير من المدن والقرى لمصلحة النظام، لكن هذه التدخلات هي -في النهاية- خنجر مسموم، ولن تحمي النظام إلى الأبد، وسوف يسقط -في النهاية- سقوطًا فعليًا، بعد أن أسقطه الشعب.

مَن تحرك في آذار/ مارس 2011، كانت التنسيقيات المختلفة، بقيادات شابة، وبوعي “هيولي”، أثبت فعاليته من خلال تلك التظاهرات، وكانوا في الحقيقة الأمل في استمرار هذه الثورة، وكل المعارضات التي تقفز اليوم في الساحات الدولية، كانت في الحقيقة تلهث للالتحاق بالثورة وبهم، وكانت وراء الجماهير وليس أمامها، وهو ما أدى إلى إعلان إفلاسها السياسي.

هذه المعارضات متأخرة وضعيفة إلى درجة أن لا وجود لها على الأرض. ووصلت دراسة في عام 2012 عن قوى الأحزاب المعارضة التي كانت على الأرض السورية، إلى نتيجة بأن هذه الأحزاب التي تُشكّل المعارضة لا وجود فعليًا لها، وكانت عبارة عن مجموعات من المثقفين، وعدد محدود ممن بقي من أعضاء هذه الأحزاب.

القوى الإسلاموية التي تُقاتل، وتتقاتل بينيًا، يسِمُها الطابع الإسلاموي الذي – في الحقيقة- لا يخيف إلا ذوي النفس القصير، ممن حسبوا أن الثورة ستُسقط النظام في أشهر قليلة، ولن ينسى كثيرون مؤتمر أنطاليا وتهريجات الحاضرين الذين -مع الأسف- سقط كثير منهم خلال السنوات الست من عمر الثورة.

على هامش الاستمرارية في الحراك الثوري، حاول الأميركيون والأوربيون والروس إيجاد حلول للأزمة السورية، والكل يعمل لمصالحه، وهي مصالح متضاربة، ومن هنا؛ لم تصل إلى حل، وكل الحلول تتغير تغيرًا يوميًا.

تتشابه الثورة السورية مع الثورة الإسبانية التي -على الرغم من هزيمتها أمام فرانكو- بقيت متأججة في نفوس القوى الديمقراطية التي شقت طريقها إلى الديمقراطية بموت الديكتاتور الإسباني، وعندما تساقطت الثورة، كتب أرنست هيمنغواي، وهو المشارك فيها، قائلًا: “ليس من المهم أن نهزم، المهم أن نبقى واقفين”.

هكذا هو الشعب السوري؛ فعلى الرغم من المآسي التي شهدها في السنوات الست العجاف، لا زال واقفًا، يُناضل من أجل تحقيق أمنيات أطفال درعا بإسقاط النظام، وسيفعل.

مقالات ذات صلة

إغلاق