أدب وفنون

المرأة التي أصبحتْ حنجرة

أمسكتْ بخصلات شعرها الهاربة مثل مظلة تجرفها الريح، نظرت إلى لا شيء وأعلنتْ: اعتنقتُ مذهب ريتشارد فورد، وأصبحتُ واقعيةً قذرة.

قبل ذلك… كانت حالمة لدرجة أنها علقت على جدران بيتها الحديث صور كل الرومانسيين، من عمر أبي ريشة حتى عمر موسى والعقيد القذافي مع حل الدولة الواحدة، ورقصتْ على الأطلال، على الرغم من أنها في قرارة نفسها، تؤيد المبادرة العربية للسلام، وتهزّ رأسها وتكتفي بقول: لم لا، ليس لحيثياتها السياسية، أي المبادرة، لكن لكونها تقدس الألم الممض الظالم الذي ينتجه حب من طرف واحد.

اهتمتْ بكل التفاصيل، وقالت: غرفة نومي هي عالمي المائل إلى الغروب. كان صوتها عبر الهاتف يضاهي البحة الضارعة في: “evry thing I do I do it for you” وهي تقول: إنها ستؤرشف كل أعضاء مجلس الشعب بالصوت والصورة، فلطالما أغرمتُ بنقاشاتهم الرومانسية. حتى أنها فكرت بوضع ملصق لـ “سيريا باركنغ” إسقاطًا لولعها بالأرصفة والعواطف المجانية والامتيازات الضبابية، وتصيح: ديني هو الرومانس.

جلست في مقهى رصيف في ساروجة، ترتدي خفًا رياضيًا من ماركة تومي، وكوفية محدثة، ممسكة “نبريش نرجيلتها” مثل فرمان، ويا جبل ما يهزك ريح، وتسأل: ما الثورة؟ ما العمل؟ وتجيب نفسها: الثورة هي أن تصحو فتجد نفسك في بستان أخضر، هي أن تفتح ملفًا فوق سطح مكتبك، وتسطر الكلمات المفتاح: حرية، إخاء، الوطن للجميع. وأيقونة تمثل تشي ممسكًا سيجاره الغليظ جدًا. الثورة شيء في أقصى الحلم. وتضيف: لكن “الثورة بحاجة إلى حزب فـ.. جريدة حزب فـ…” وكنا نقول لها: الثورة أساسًا هي هدم من أجل بناء أكثر وعيًا، الثورة وجع مرحلي وانفصالات عميقة، الثورة بحاجة إلى نظام ورؤيا وحناجر. كانت تغضب وتصرخ: أنتم متشائمون، متخوفون…أنتم واقعيون.

بعد ذلك… كان سطلًا من الماء البارد، انكسارًا في دارة الدفق الشعوري، مفاجأةً لا يطالها التنظير، فرحًا بغير المتوقَّع، واحتمالًا كبيرًا في ألمٍ أحمر. كان “الغضب الساطع” وبدايةً خضراء، وكان -أيضًا- دعسًا ممنهجًا على الحشيش الطفل.

ما حدث أنها في لحظةٍ معينة، فتحتْ عينيها لتجد وجهها الليموني، ومؤخرة زوجها المحبحبة نابضة في مرآة السقف (التجلي الخارق لرومنسيتها)، والدماء تملأ الشاشات.

نظرت صديقتي إلى لا شيء، وأمسكت بخصلات شعرها الهاربة، القصيرة مثل آيات مكية، وكان لا بدَّ للريح من بوصلة، ولا بدَّ للبوصلة من جهة، ولا بدَّ للجهة من شاخصة زرقاء وسهم يشير إلى الطريق، ولا بدَّ للطريق من قدم، حيث ينمو فرحٌ طحلبيّ على حبال الحناجر. نهضت صديقتي لتجد نفسها وقد أصبحت حنجرة.

***

مقالات ذات صلة

إغلاق