هموم ثقافية

آخر حرب على الحرب!

“الشعر يوميات حيوان بحري يعيش على البر، ويريد أن يطير”.

كارل ساندبرغ

 

الشعر عصي ومتقلب مثلما الحياة، ولا يزال يصنع أشكاله ولغته المتفاوتة، ما زالت الحياة، وما زال الصراع بين القديم والحديث يفرز مظاهر جديدة ولغة مشتتة، مثلما تشتت أهلنا وأجسادنا وبيوتنا التي تأكلها العتمة.

لتكن هذه آخر حرب على الحرب، وليكن تسويغنا لهذا العالم -كما رآه نيتشه- “العالم يسوّغ بوصفه ظاهرة فنية وجمالية”. لنتظاهر عبر الفن؛ نخلق طبيعية جديدة بديلة تثبّت الحياة وتنفي العدم، بهذا المعنى يغدو الفن سبيل البشرية نحو الخلاص. فهل امتلكنا أدواتنا التعبيرية والفنيّة والثقافية منذ يوم الثورة الأول؟ هل تبلور النص لصالح الشاعر، أم لصالح المأساة؟ وهل قفز فوقها، أم حرر الكلمة في نصه، كما كان مطلبه على الأرض السوريّة؟ أقصد هنا الشاعر، والنصوص التي ولدت على بعد مسافات متفاوتة من الأشلاء، هل نضحت بالدم، وقادتنا من نواصينا إلى أوكار مفخخة أكثر، فتطايرنا في الهواء، أم بترت هذه الألغام أرجلنا، في حين استمر الشاعر واستمر النص بالتدفق؟

كيف قدم الشعراء السوريون نصوصهم في هذه المرحلة بالذات؟! نقول حاول، بعض أولئك الذين اصطفوا بجانب الحياة والثورة، تقديم النص بلغة بسيطة، جاءت في أحيان كثيرة قريبة إلى الترجمة أكثر منها إلى الشعر، فكتبوا عن يوميات “الحزن العادي” ويوميات الفرح العادي، وجاءت الكلمات كأنما خرجت للتو من بيت بلاستيكي حفظت فيه، لحين الطلب والعوز، بينما اشتغل أخرون على عمق المأساة وتوصيفها وضراوتها، وظل الشعر يراوح بعيدًا تارة وقريبًا تارة أخرى، فكتبوا بأصابع مغموسة بدم القصيدة، وتباكوا وبكوا كثيرًا، لكن من دون الإمساك بناصية الشعر وسوقه إلى عليائه، بينما راح آخرون يكتبون أشعارهم بلغة أكاديمية صرفة، مثلما يكتب مقال أدبيّ نقديّ، ويثابر على ذلك في هذا التوقيت بالذات! بينما انشغل قسم رابع بنصوص سردية خالية من الشعر، كتبها وهو يشرب شايًّا معتقًا، وجلس يضع ساقًا فوق أخرى، بانتظار أن يبرد شايه، وقدمها بعضهم بصورة حسيّة وانفعاليّة.

لم يقف الشاعر ولا الشعر متفرجًا إذن، في حين جاءت الثورة بكل هذا الزخم، وهبّ القتلة مدججين بكل أدوات الفتك وشهوات الدمار، فالثورة التي لم تكن -في يوم ما- غضبًا أعمى أو بركانًا، لا يحمل سوى حمم تتدحرج عبر السفح. قدمت الثورة درسًا مفاده: ليس بالضرورة أن يكون الخراب لازمتها، بل يستطيع الفن المتمثل بالشعر -في جانب منه- أن يكون شقيق الثورة ومعلمها في آن.

يقول الدكتور حسان الجودي: “نحن أمة مريضة بالشعر، ومريضة بالطاغية، هل الطاغية سوى صنم يُعبد؟ هل الشاعر إلا مثله!”

 

نماذج من النصوص التي واكبت الثورة وتحولاتها

الشاعر عارف حمزة المقيم في ألمانيا، يكتب عن الحرب؛ قائلًا:

“ليس القتلى وحدهم ضحايا التفجير/ ليست الجدران وحدها/ والأنفاس/ والتأوهات في الليلة السابقة/ ليست الثياب الداخلية الفاضحة/ وقد أصبحت في وسط الشارع/ وبين يدي المنقذين/ بل تورم قدم طفل صغير/ ارتطمت/ أثناء الهلع والهروب/ بحافة السرير.

 

الشاعر مازن أكثم سليمان:

الأسرة ضمير مستتر بالألم/ والغرائز منحلة في ريق المكان/ المربية العصريّة حملت/ صولجانها، وجلدت الأبوة/ والوجبات السريعة انتحلت صفة المواعظ/ وأنا لا شيء أقرب إلى نفسي أكثر/ من جناحين وفلاة بلا حدّ”.

 

وفي موقع أخر تكتب الشاعرة وداد نبي:

“الحياة لن تكون بهذا السوء/ ستمنحك بيتًا جديدًا/ لكن روحك ستبقى ذئبًا/ يعوي كل ليلة/ على أدراج بيتك القديم”.

 

بينما يصف الشاعر مروان علي الحرب قائلًا: “عدنا من الحرب/ قساة/ تركنا خلفنا بنادقنا/ وهزائمنا الكثيرة/ وانتصاراتنا القليلة/ ننظر بقوة نحو الشرفات الخالية/ ونبكي مثل التماثيل القديمة في الساحات”.

 

ويقول الشاعر فايز العباس في نص قصير:

“بحنكة أنثى تمرّ على الحرب عطرًا/ ثم تمرّ حربين بيني وبيني/ تمرّن قلبي على الالتفات وتركض فوق البلاد/ بحنكة أنثى أقول بأني خسرت”

 

أما الشاعرة السورية رشا عمران فتقول:

“أريد أن أكتب عن تلك اللحظة/ تلك اللحظة بالتحديد/ اللحظة التي كنت أراك فيها ممدًا على السرير/ وأنا أحلق عاليًا/ عاليًا جدًا كأني طائر شدته جاذبية الأرض/ ثم لفرط نشوته برائحة التراب خف خف كثيرًا/ وطار دون حتى أن يفرد جناحيه/ تاركًا لغيبوبته الفراغ/ أن تلاعبه كأرجوحة/ يحركها مزاج ريح عابرة”.

مقالات ذات صلة

إغلاق