أبحاث ودراسات

كواليس جنيف 2

نود هنا أن نطلعكم على بعض كواليس مفاوضات جنيف 2 التي عُقدت مطلع 2014، فهي تظهر كيف تجري الأمور من الداخل.

لعلكم تذكرون الأجواء التي عقدت فيها المفاوضات، يومئذ كان الدعم العالمي للمعارضة مازال قويًا، وقد وجه الأمين العام للأمم المتحدة رسالة إلى رئيس الائتلاف؛ لتشكيل وفد المعارضة، آنذاك لم تكن لعبة المنصات قد بدأت، ولم يكن الروس قد تدخلوا في سورية، بل تصاعد الصدام الروسي – الغربي بسبب أحداث أوكرانيا التي انفجرت على نحو متزامن مع سريان المفاوضات.

عُقدت جولتان من المفاوضات مطلع 2014، وقد كنت شاهدًا على الجولة الثانية التي كانت من 10 حتى 15 شباط/ فبراير 2014. وكان الوسيط الدولي هو الأخضر الإبراهيمي الذي خلف كوفي أنان في هذه المهمة.

 

  • الإبراهيمي وبعض ما قاله

بدا الإبراهيمي رجلًا إنسانيًا بأخلاق عالية، لا تسمح له بالتسويف والكذب، وقد كرر أكثر من مرة أمام وفد المعارضة وأثناء جلسات المفاوضات: أنه لن يقبل بالكذب على الشعب السوري، ولن يقبل بالاستمرار في المماطلة، وليس مستعدًا لإهدار الوقت، بينما السوريون يذبحون، وفي الإعلام اعتذر إلى الشعب السوري. وقال: أنا لن أقبل أن أتاجر بدم الشعب السوري، فإما أن يكون المجتمع الدولي يريد الخروج من هذه المفاوضات بنتيجة، أو لن أتحمل المسؤولية”.

وأراد أن يوافق الوفدان بصراحة، ودون تحفظ على اتفاق جنيف1. وأراد أن يقبل الوفدان مناقشة جدول الأعمال الذي وضعه، وخاصة قبول النظام بمناقشة هيئة الحكم الانتقالي؛ كونها حجز الزاوية في اتفاق جنيف، وفي أي اتفاق سيبرم بين الطرفين. وقال إنه سيُقدّم تقريرين في نهاية الجولة الأول للروس والأميركيين، والثاني للأمين العام للأمم المتحدة.

قال لوفد المعارضة: العنف يؤذيكم ويمكنكم أن تتحدثوا عن عنف النظام؛ لذا لكم مصلحة في الموافقة على بحثه. ولا بد من بحث قضيتي العنف وهيئة الحكم الانتقالي معًا.

جوابًا عن سؤال من وفد المعارضة حول ما إذا كان النظام يريد التفاوض، أجاب: نعم النظام لا يريد التفاوض؛ بل يريد التعطيل، وأن يمضي في كل نقطة صغيرة شهرًا.

في إحدى جلسات التفاوض، قال للوفدين معًا: لا تنسوا أن في هذه المفاوضات ثلاثة أطراف، النظام والمعارضة وأنا، فإن أصر كلا الوفدين، ولم ينسحب أي من الطرفين؛ فإنني، بوصفي طرفًا ثالثًا، سأنسحب، ما لم يحدث تقدم، وتبدأ مفاوضات جديدة.

في جلسة مفاوضات يوم الثلاثاء روى الحكاية الآتية؛ قال: كان جمّال “أي صاحب جمال” يضع أحمالًا كثيرة على ظهر جَمَلِهْ، وبقيت قطعة أخيرة، فأخذ الجمال ينظر أين يضعها في هذا الطرف أم ذاك، فقال له الجمل البارك في الأرض والمثقل بالأحمال: ضعها أينما شئت، فإنني لن أنهض. رواها عندما كان وفد النظام يخلق العراقيل، ولا يوافق على شيء، بل وجه الجعفري إهانة للإبراهيمي في أثناء رده على كلمة “تغيير” التي وردت في الفقرة الثالثة من جدول الأعمال الذي أعده الإبراهيمي “مؤسسات الدولة بين الاستمرارية والتغيير”؛ إذ عدّها الجعفري “مخطط أجهزة مخابرات غربية لتفكيك الدولة السورية”؛ ما سبب انزعاجًا كبيرًا للإبراهيمي؛ لأن في كلام الجعفري إهانة شخصية له.

طلب الإبراهيمي إلى الجعفري -في لقاء خاص بينهما- أن يخفف لهجته العدائية وقال له: هذا هو الوفد المعارض، فإما أن تقبل الحديث والتفاوض معهم، أو نغلق التفاوض، ووعد الجعفري بذلك ولكنه لم يلتزم، وطلب الإبراهيمي من وفد المعارضة ألا يطرح مسألة جرائم الحرب؛ لأن هذا يخلق أجواء غير مناسبة للتفاوض.

استمع الإبراهيمي إلى ورقة وفد المعارضة حول هيئة الحكم، وقد أُعجب ببعض بنودها، بينما تمنى لو أن بعضها الآخر كان بالإمكان صوغه صوغًا أفضل.

قال للوفدين: إن لديه جدولًا زمنيًا للتفاوض، وليس جدولًا زمنيًا مفتوحًا، ويتوقع ألا يكون زمن التفاوض طويلًا.

قال لميشيل كيلو: إن وفد النظام قدّم ردّا على المذكرة التي تقدم بها الإبراهيمي، في أول يوم من المفاوضات، وأن النظام رد على كل كلمة فيها، ولم يكن فيها أي شيء إيجابي في نظر النظام،

وقال لوفد المعارضة: أنا اجتمعت مع الروس والأميركيين، والاجتماع لم يكن سيئًا، وقلت لهم: إن الأوضاع متعثرة، وأن لدي شك في جدوى العملية بالكامل، وطلب عدم نقل هذا الكلام عن لسانه، ويضع الإبراهيمي مسؤولية فشل المفاوضات على الروس والأميركيين.

 

  • بعض ما قاله بعض السفراء

تحدث السفير الأمريكي فورد في أثناء اجتماعه مع وفد المعارضة مساء يوم الإثنين، فقال: الإبراهيمي قال عن تقييم أداء الوفدين: أن وفد الائتلاف كان أفضل، وقد فوجئنا بذلك، وكنا نعتقد أننا سنحتاج إلى منع وفد المعارضة من المغادرة، ولكن كان العكس، وأن النظام أراد من خلال خطاب وليد المعلم وتصريحات الجعفري إرسال رسائل إلى الداخل السوري،

مندوبة أميركا، ويندي شيرمان، قالت لوفد المعارضة بعد اجتماعها مع الروس يوم الخميس: حاولنا الوصول مع الروس إلى أرضية مشتركة، ولكن فشلنا… ونعتقد أن تصلّب الروس موقت،

السفير الفرنسي، إريك شوفالييه، اجتمع هو والسفير البريطاني، جونس، مع الإبراهيمي وقال لهما الإبراهيمي: لا قناعة لديه بأن يحقق أي تقدم؛ لأن النظام غير مستعد للتقدم.

 

  • حول جدول أعمال الدورة الثانية من جنيف

طرح الإبراهيمي جدول الأعمال الآتي للجولة المقبلة:

  • محاربة العنف ومكافحة الإرهاب.
  • هيئة الحكم الانتقالي.
  • مؤسسات الدولة بين الاستمرار والتغيير.
  • المصالحة الوطنية.

رفض وفد النظام بحث أي نقطة، سوى بحث محاربة العنف ومكافحة الإرهاب، وعند الانتهاء منها سينتقل لبحث البنود الأخرى. ورفض بحث هيئة الحكم الانتقالي، وطرح بدلًا منها حكومة موقتة (يرفض استخدام مصطلح الانتقال) ورفض كلمة التغيير في البند الثالث مؤكدًا أن الاستمرارية هي الأساس، ورفض البند الرابع قائلًا: إن هذا البند يُبحث في دمشق… وبعد ثلاثة أيام قدم وفد النظام مقترحًا لإصدار بيان مشترك بين الوفدين يدين الإرهاب… ولكن وفد المعارضة لم يوافق، وقال: هذا يُبحث من خلال دور هيئة الحكم في مكافحة الإرهاب.

أبدى وفد المعارضة استعداده لبحث جميع البنود والموضوعات التي يشملها اتفاق جنيف، بدءًا بهيئة الحكم الانتقالي بوصفها الأداة التي ستنفذ اتفاق جنيف، ورأى أن وقف إطلاق النار ومحاربة العنف ومكافحة الإرهاب يمكن تحقيقها على نحو أفضل من خلال هيئة الحكم الانتقالي التي يمثل فيها الطرفان، وأطراف من المجتمع السوري، بدلًا من السعي لوقف النار ومحاربة العنف ومكافحة الإرهاب، مع استمرار الصراع على الأرض، والشيء نفسه في قضايا المعتقلين وعودة المهجرين والمصالحة الوطنية، وغيرها من ملفات شائكة، وعلى الرغم من التحفظ، وافق وفد المعارضة على الجدول، مع تحفظه على بند مكافحة الإرهاب؛ لأنه لم يدخل في بيان جنيف، ولا في الدعوة إلى المؤتمر.

استراتيجية النظام كانت واضحة التعطيل، وإبراز أن المعارضة جاءت لتستولي على السلطة. وتصور النظام للحل هو: تشكيل حكومة انتقالية، يأخذ فيها النظام 10 وزارات سيادية مثل الداخلية والدفاع والخارجية والمالية وغيرها، ومنح المعارضة 10 وزارات، ويوافق على رئيس وزراء معتدل من المستقلين، مع بقاء الرئيس الأسد بصلاحياته كافة، وبقاء الدستور نفسه، وبقاء الأمن والجيش بيده؛ ثم التحضير لإجراء انتخابات، تديرها الأجهزة نفسها التي أدارت الانتخابات السابقة، ولكن بحضور مراقبين دوليين من الأمم المتحدة.

 

  • أداء وفد النظام

كان الاضطراب والتوتر بادٍ عليهم، وكان موقفهم محرجًا، فمن جهة لا يريدون الانسحاب، ومن جهة أخرى يريدون أن يبقوا في مكانهم، ولا يتزحزحوا إلى الأمام، وقد وضعهم هذا في موقف محرج مع الوسيط، ومع المراقبين الدوليين الكثر، ومع وسائل الإعلام التي حضرت بكثرة

كان أعضاء وفد النظام مثل الجناة الذين أحضرهم البوليس لجلسة محكمة لمحاكمتهم وهم يعرفون الحكم سلفًا…، كانوا عصابيين وعدائيين وهجوميين، وكل صفات من لا يريد التقدم في المفاوضات قيد أنملة.

الجعفري كان سفيهًا وبذيئًا، ويكيل التهم شرقًا وغربًا…. أهان الإبراهيمي في تفسيره لكلمة “التغيير” في جدول الأعمال، واتهم السريان والآشوريين بأنهم عملاء لتركيا، وقال: ارحلوا فالسويد تنتظركم، وهدّد وفد المعارضة بأنه ستجري تصفيتهم كما تمت تصفية قادة المعارضة الليبية. وقال: نشك في ما إذا كانت دماء سورية تجري في عروق وفد المعارضة، وأن تكون ريما فليحان بنت جبل العرب، وقال أن وفد المعارضة لا يمثل أحدًا.

وقد نجح النظام في تعطيل المفاوضات وانتهت الجولة بدون إحراز أي تقدم.

 

  • أداء وفد المعارضة

كان أداء وفد المعارضة أكثر مهنية، وأكثر مرونة و تميزًا بضبط النفس، وعدم الانجرار للرد على بذاءة الجعفري، سواء في أثناء الجلسات، أو أمام الإعلام؛ فاستحق تقدير المراقبين، ونجح في إظهار أن المعارضة تريد فعلًا حلًا عبر جنيف.

قدم وفد المعارضة رؤية فيها مبادئ أساسية لهيئة الحكم الانتقالي، ودورها، نالت استحسان المراقبين، وقال الإبراهيمي أنه سيضمنها في تقريره، بينما لم يقدم وفد النظام أي شيء. وقد كسب وفد المعارضة احترام الإبراهيمي، بينما بلغ غضبه من وفد النظام مبلغًا.

بعد الجولة بر الإبراهيمي بوعده وقدم استقالته، وتم تسمية دي مستورا خلفًا له.

 

(*) تتحفظ (جيرون) على كتابة الاسم الصريح للكاتب بناء على طلبه.

Author

مقالات ذات صلة

إغلاق