مقالات الرأي

بحثًا عن العرب..

في مقالة سابقة نُشرت قبل نيف وسنة، تساءلتُ: لو لم يصرح وزير الشؤون الخارجية والتعاون المغربي بقرار بلده عدم استضافة قمة عربية، كانت جامعة الدول العربية تعمل لتنظيمها في نيسان/ أبريل 2016 في العاصمة المغربية؛ نظرًا إلى أن “الظروف الموضوعية لا تتوفر لعقد قمة عربية ناجحة، قادرة على اتخاذ قرارات في مستوى ما يقتضيه الوضع، وتستجيب لتطلعات الشعوب العربية”، أكان المواطنون العرب على علم بمثل هذه القمة وبأغراضها؟

من الممكن اليوم، والقمة قد عُقدت أمسِ في الأردن هذه المرة، وعلى ضفاف البحر الميت (يا لرنين الاسم!)، التساؤل بالحسرة ذاتها: ما الذي تغير خلال سنة؛ حتى أمكن عقد القمة؟ ومَنْ الذي اهتمّ بها فعلًا مِنَ المواطنين العرب، أو كان يتلهف لانعقادها ومعرفة نتائجها؟ بل وربما كان من الممكن -أيضًا- أن نتساءل: هل شارك القادة العرب في هذه القمة وفي سابقاتها بالحماسة التي كانوا، هم أو أسلافهم، يشاركون بها قبل أكثر من أربعين عامًا؟

ذات يوم، وهو يقول ما يعنيه حين تحدث عن قمة عربية كان موعدها أواخر آذار/ مارس 2006، قال أحد الزعماء العرب لضيفه الفرنسي: ” الرئيس الفرنسي -كما تعلم- صديقي، وكنتُ أريدُ زيارته. لكن موعد الزيارة يصادف عشية عقد القمة العربية في الخرطوم. ومع ذلك؛ عزمتُ على لقاء الرئيس بباريس؛ حتى ولو تأخرتُ عن القمة!” وانفجر ضاحكًا وهو ينهي جملته: “لا شك أنكَ تعلم.. قرارات القمم العربية تكرر نفسها منذ سنوات وسنوات، لذلك؛ لم يكن هناك أي أهمية لتأخري أو حتى لغيابي!”. لم يضحك الضيف الفرنسي. ظنَّ الزعيم العربي أن الترجمة كانت غير دقيقة، فأعاد المترجم صوغ الترجمة من جديد. لكن الضيف الفرنسي، مع ذلك، لم يضحك. أدركَ المضيف آنئذ لباقة ضيفه وحسَّه المرهف؛ إذ كيف يسعه أن يسمح لنفسه المشاركة بالضحك في حضرة زعيم يسخر من قمةٍ هو شريك كامل الشراكة فيها؟

لا تقول هذه النادرة، وبإيجاز بليغ، كيف استحالت القمم العربية موضع سخرية. سخرية لا تصدر عمن يشارك فيها فحسب، بل كذلك عمن ينتظر عبثًا نتائجها. لا بل تقول فضلًا عن ذلك أيضًا، وبقسوة لا تقل بلاغة، واقعًا بتنا اليوم نشهد عواقبه ونعيشها.

صحيح أن هذه الحادثة تعود إلى أكثر من عشر سنوات خلت، لكنها كانت ممكنة الحدوث طوال نيف وأربعين عامًا أيضًا، أي منذ أدّى توقيع اتفاقية كامب دافيد في أيلول/ سبتمبر 1978 إلى خروج مصر على ما كان يسمى الإجماع العربي، وكانت أولى وأهمّ آثاره انتزاع قدرة أكبر بلد عربي على الزعامة والمبادرة والتأثير، في الدائرة العربية وفي الدائرة الإقليمية سواء بسواء. بذلك، انطوى الزمن الذي كانت قمم الجامعة العربية تمثل ما يمكن أن يدخل في باب “أضعف الإيمان” على صعيد العمل والتأثير العربيين، وكان فيه زعيم مصر مسموع الكلمة يدعو علنًا؛ حتى في إثر خروجه من هزيمة خطِرة، إلى اجتماع قمة يهرع إليه الجميع، بما فيهم الخصوم، من دون أدنى تردد أو اعتراض.

كما لو أن غياب مصر المعلن عن الساحة العربية والإقليمية كان فاتحة غياب عربي سيتجسَّد فراغًا عربيًا وإقليميًا، سرعان ما تعمل على ملئه إيران بعد انقلاب الخميني على ثورة الشعب الإيراني ضد الشاه، ابتداءً من عام 1979، ودعوتها إلى تصدير الثورة نحو بلدان المنطقة من حولها. لم يكن من قبيل الصدفة أن تنشب الحرب بين العراق وإيران قبل مرور سنتيْن على الانقلاب الخميني، ثم، بعد انتهائها بعراق منهك ماديًا وبشريًا، أن تُهَيَّأ له الأسباب للدخول في مغامرة أخرى، ستؤدي به، بعد سنوات، إلى أن يكون مسرحًا لمطامح إيران القومية، التي اتخذت مع الخميني وآيات الله -على اختلافهم- من الإسلام أيديولوجية صالحة لتحقيقها، ومن طائفة من العرب في المشرق العربي جنودًا، يمكن أن تستخدم معظمهم سخرة في “حروبها” المقدسة الخفية؛ من أجل حلم إمبراطوري فات الشاه، من قبلُ، أن يخوضها بلا قداسة، على الرغم من كل الجهد الذي بذله سعيًا وراء تحقيقه.

هكذا استطاعت إيران، من دون أي مقاومة تذكر من العرب، وعلى كل المستويات الرسمية، أن تستخدم ما أسماه العرب قضيتهم الأولى، القضية الفلسطينية على مختلف الصُّعد: الإعلامية والخطابية، من دون أن تطلق رصاصة واحدة. وكان وكيلها الحصري الذي أنشأته في لبنان خلال حربه الأهلية، وبتواطؤ علني مع النظام الأسدي في عهد الأب، يقوم بما لا تستطيع إيران الدولة أن تقوم به: أي البرهنة المادية على مضمون خطاب إعلامها، مُجَسَّدًا في الصدام مع إسرائيل على الأرض اللبنانية. لم تكن الشعوب العربية من خُدِعت بذلك وحدها، بل كذلك أهم رموزها في تلك الفترة، وعلى رأسهم ياسر عرفات، الذي اعتبر، تحت وطأة آثار كامب دافيد، واستقرار سفارة فلسطين بطهران في مبنى سفارة إسرائيل سابقًا، أنه امتلك مع الثورة الإيرانية أهم عمق استراتيجي يمكن أن تحلم به الثورة الفلسطينية!

وبدعم من النظام الأسدي خصوصًا، وبفضل صمت العرب عمومًا، استحوذ حزب الله، ذراع إيران في المنطقة العربية، باسمها ولصالحها، على اهتمام الجماهير في كل مكان من الأرض العربية، بوصفه قوة “المقاومة” و”التحرير”؛ وكان الإخراج الإعلامي لذلك كله كامل الأوصاف دقيق التقنية.

لا بدَّ -هنا- من التذكير بتزامن واقعيْن لا تزال آثارهما تفعل فعلها في قلب العالم العربي: نكوص الجامعة العربية عن القيام بأدنى أدوارها في سورية بعد أن أثبتت عجزها من ناحية، ومن ناحية أخرى، ظهور وجه إيران في بشاعته الحقيقية مع ثورات الشباب العربي ابتداءً من عام 2011، حين هبت لدعم الحركات الثورية في تونس وليبيا ومصر، ثم ما لبثت أن نددت بثورة سورية بوصفها مؤامرة “استعمارية”؛ كي تنخرط بشراسة غير مسبوقة مباشرة، عبر حرسها الثوري ومرتزقتها غير الإيرانيين الذين جندتهم لهذا الغرض، وبفضل ذراعها اللبنانية، في خوض حرب صريحة مع الثوار السوريين؛ دفاعًا عن النظام الأسدي. ذلك أن نظام ولاية الفقيه كان يدرك أن هذه الثورة بالذات كانت قمينة، بانتصارها على أعتى نظام استبدادي عرفه العالم العربي، أن تضع حدًا لمطامحه.

لم يكن نكوص الجامعة العربية عن القيام بأدوارها إلا تعبيرًا عن عجز النظام العربي -في وضعه الحالي- عن لعب أي دور يولي المصلحة العربية على الصعيد الإقليمي الأولوية على ما عداها. وليس النظام العربي -بمجمله- إلا تجسيدًا لأنظمة لم تفلح الثورات العربية عليها -بعدُ- في استبدالها. ولابدّ من الاعتراف بأن ما قاله وزير الخارجية المغربي عن القمة الماضية التي لم تعقد، لا يزال صالحًا اليوم وغدًا، ما دامت الأنظمة العربية تحاول بكل الوسائل شرعنة الاستبداد والفساد اللذين باتا علامتها المسجلة.

مقالات ذات صلة

إغلاق