سورية الآن

مواليد جرائم الأسد

كان الصّغير ذو الخمس سنواتٍ ينظر بتعجّب وبهجة إلى فأر اقتحم غرفته قبل أن يهرب بعد أن رمته والدة الطّفل بكتابٍ كاد أن يصيبه في مقتل..

كان هذا المشهد أحدث فيلمٍ يحكي قصّة فتاة أجبرها خاطفها على العيش لسنواتٍ طويلة في غرفة صغيرة بابها من حديد وجدرانها داكنة، لا منفذ فيها سوى نافذة بعيدة في السّقف تمكّنها من رؤية الليل إذا ما عسعس والصّبح إذا ما تنفّس.

سنواتٌ أنجبت خلالها المراهقة طفلا بعد أن اغتصبها سجّانها مرارا وتكرارا، ليهب اللّه لها غلاما لم يرَ من البشر سوى والده المجرم ووالدته الحزينة ولم يشعر بغير الخوف والكآبة.

لخمس سنواتٍ، لم يصدّق الصغير وجود جبالٍ ولا بحارٍ لما سمعه من أساطير عن حجمها الكبير ولم يعرف يوما شكل الضّفادعِ فكان يسأل أمّه عنها إذا ما القت على مسامعه قصّة قبل النّوم.

أخيرا تمكّن الصًغير ووالدته من الهرب إلى “الجانب الآخر من جدار الغرفة” كما كان يسمّي العالم الخارجيّ ليكتشف حياةً أخرى وعالما عجيبا، آلاف الوجوه المختلفة، سيّارات وطائرات، عصافير وقطط ومختلف أنواع المأكولات، الشمس والقمر والنّجوم والسّحاب..

كانت هذه بعض من أحداث فيلم “الغرفة” نسجها خيال ربّما لم يُقدِّر يوما بأنّ نزرا ممّا كتبه قد يتحقّق على أرض الواقع.

فبعيدا عن هوليوود والأفلام السّينمائية والممثلين والجوائز، بعيدا عن عالم الخيال، في أرض من الأراضي المنكوبة حيث بشاعة الجرائم لا تخطر أحيانا ببال أعظم الكتّاب، حيث الجوائز تكون من نصيب الرّاقصات والإمامة من نصيب الأفّاكين والحكم بيد المجرمين والمجانين، بعيدا عن هوليوود حيث اجتمع الغرب والفرس والعرب ليحبكوا مشاهد حربٍ لم يقدر على صناعتها أفضل المخرجين وأمهرهم..
هناك في سوريا، ملايين مثل بطل فيلم “الغرفة” لا يعرفون من العالم سوى القليل.

ثلاثة ملايين طفل سوريّ على الأقل لا يعرفون منذ أن ولدوا سوى الحرب! لم يسمعوا سوى دويّ الانفجارات وصدى الدّمار والهزّات وارتداد أصوات البراميل المتفجرة وصرخات النّسوة وبكاء الرّضع ودعوات العجائز ولم يروا من الألوان سوى الأحمر والأسود، الأوّل بالنّسبة إليهم دماء وأشلاء وموت فقط والثّاني حطام وخراب.

ثلاثة ملايين طفلٍ، أكثر من نصفهم معرّض لخطر الإصابة بأمراض عقلية بحسب منظّمة “أنقذوا الطّفولة”، 75% منهم فقدوا أحبّتهم أو دمّرت منازلهم، منهم من فقد القدرة على الكلام ومنهم من حاول الانتحار.

هؤلاء من فتحوا أعينهم على أهوال الدّنيا، كيف لنا ان نقنعهم بأنّ العصافير ليست طائراتٍ تابعة للنّظام السّوريّ أو الرّوسيّ قد ترميهم بالأسلحة الفتّاكة والحارقة في أيّ لحظة؟ وكيف لنا أن نفسّر لهم بأنّ ليست كلّ سيّارة دبابة وليس كلّ من يركب سيّارةً جنديّ مدجّج بالسّلاح؟

بأيّ طريقة سنقنعهم بأنّ البحار ليست مقابر للهاربين من جحيم الفسفور والوحوش الآدميّة؟ وكيف لنا أنّ نعلّمهم بأنّ الدموع قد ترمز أحيانا إلى الفرح وأنّ الورود الحمراء تشعّ حياة ولم يصبها قنّاص أو يذبحها إرهابيّ ملثّم؟

ثمّ كيف لنا أن نروي لهم قصصا عن بطولات الأسد، ملك الغابة وسيّدها، عن شجاعته وصرامته إذا ما هدّد أحدهم أرضه، عن زئيره المزلزل الّذي يرعب كلّ من حوله؟ فكلّ ما سمعوه عن الأسد، أنّه لا حول له ولا قوّة حتّى في قصره ومضجعه، فالجميع دنّس أرض سوريا والأسد لا يزال محتفظا بحقّ الزّئير.

بأيّ حقّ سنحدّث هؤلاء الأطفال عن القضيّة الفلسطينية وقد ذاقوا الويلات بحجّة المسجد الأقصى ودعم المقاومة؟ ثمّ كيف لنا أن ننبس بمصطلح المقاومة أمامهم وقد صُوِّبت رصاصات حزب اللّه باتجاههم؟

ثلاثة ملايين طفل ليس من حقّ أيّ منّا إذا ما وقف في حضرة أحدهم أن يتحدّث عن الحبّ أو الحياة.

تقول زينب، فتاة فرّت حديثا من عالم الحرب السورية إلى عالمنا، لمنظمة “أنقذوا الطفولة”، أنّها تبكي بحرقة حتى الآن كلّما رأت أبا يُقبّل ابنته وعائلته.

(*) كاتب تونسي

Author

مقالات ذات صلة

إغلاق