مقالات الرأي

عن فاجعة البوصلة

استُعملت كثيرًا في بروباغاندا الإعلام “الثوري”؛ وصولًا إلى “دحشها” في بيانات النأي بالنفس عما يجري في مخاضات الربيع منذ ستة أعوام، كان للثورة السورية النصيب الأكبر منها، تُكرر انفلات “عقاربها” التي تدور في كل الاتجاهات، لا حقل مغناطيسيًا أو أخلاقيًا يجذبها شمالًا أو جنوبًا، انعطافاتها المتجلية في الساحة السورية تسوّغ انفلات حقلها من مداره، مع أن حاملها هو الإنسان ذاته المسفوح باسمها، لا تَظهر البوصلة في زمن الثورة السورية على أنها هادية لطريق منعرج وصعب فحسب، إذ لا وجود للحرية وكرامة الإنسان على خطي الطول والعرض، لعل جزأها بات أكثر احمرارًا وتلونًا بالدم من كثرة لصق الشعارات عليها.

يساوي الاختلاف في شعارات البوصلة فروقًا صارمة بين الخنادق والشوارع، بين قصر المهاجرين والوطن المقموع والمستباح، نُمسك بها وندور حولها؛ علّها تُشير إلى دروب “أضعناها” مع أن الدماغ حقلها الطبيعي، المسالخ البشرية والمدن المدمرة والطائرات والصواريخ وقوارب اللاجئين ومخيمات النازحين وملايين المهجرين والمفقودين والقتلى والجرحى وتخاذل العالم، كل ذلك بات حقولًا منفرة للبوصلة التي تزعم إشارات وجهتها نحو “إمبريالية وصهيونية ورجعية عربية؛ وصولًا إلى طريق القدس”.

في البوصلة “المطعوجة” يتسع الخندق لمارينز الإمبريالية، ولفرق “المقاومة” العابرة للحدود؛ محمولة على طائفية تغطس أكثر في مستنقع الدم، تنفي عنها كل تصادم مزعوم، تتسع سماؤها لطائرات العدو، وهي تحرث حقل الطاغية الذي ينثر جثث الوطن؛ ليزرع أبدية “بشّرت” بها ضحالة وتفاهة المشرحة المختفي خلف جدرانها وطنًا لا تدركه أي بوصلة في هبوطها المدوي، مثلما تدركه الآن في تفتت نسيج المجتمع، لم يعد لحامليها في ساحات الوغى مؤشر سوى دك المدن وتدمير حواضرها، “حلفاء خندق” البوصلة يمنعون الآذان في المساجد القريبة من القدس، وأصحاب البوصلة دمّروا مساجد السوريين وكنائسهم فوق رؤوس من احتمى تحت قبابها، كلما صرخ السوريون من ظلم الطاغية يُشهر الثوريون نمطًا ممجوجًا وصارخًا من تفاهة الشعارات المتناسلة فوق جراحهم.

يتحرر السوريون من كل هذيان البوصلة المتحللة والمنصهرة فوق أجسادهم، يلعنون “سنسفيلها” الثوري، يصنعون مؤشرات تدل على كل طفل وامرأة وشاب وعجوز قضى باسمها، يُسقِطون أدبها الفج والغليظ ويُخرسون زعيقها الثوري، جوّفوها من نفختها الكاذبة، ليبقى الخندق والميدان والسماء دلالات عار، وخزعبلات مختلطة بالأسماء والشواهد المبتعدة أكثر فأكثر عن الإنسان، إنها لشجاعة أن يتخلى السوريون عن بوصلة تقمعهم وتقتلهم وتدمرهم، يؤسسون لمؤشر الحرية والكرامة حقل البوصلة الطبيعي، لا المستعار من جيب الطغاة والعاجزين عن فهم المفردات الطبيعية للمؤشر الحقيقي للإنسان.

تُحدث هلامية البوصلة تدمير مضمونها، خاتمة لها وقع ضربة الصنج التي تحمل في ارتداداتها السقوط المدوي، سوف تلمس الأجيال المقبلة حقيقة هديها لبناء أوطان تقوم على الحرية والمواطنة والكرامة، وهي تذهب اعمق باتجاه استرداد ما سلبه الطاغية منها، وإذ تمحي مهازل اجترار تزييف البوصلة الموغل في الانحلال، يرتد مفهومها إلى الكيان الإنساني الموشى بالشجن والتمرد والخيبة، ليس من توحش الطاغية وتنكيله؛ لأنها طبيعته الأساس المغلفة بشعارات البوصلة، إنما الخذلان من منطق أصحابها المعبر عن رخاوة وبؤس باهظين، أنتجا ذرائع ومسوغات تُعبّر عن اضمحلال لا قواعد أخلاقية وثورية أو ثقافية تحكمه، في سورية تسقط أساطير البوصلة على قاعدة مؤشرها بين المُضطهَد والمُضطهِد وبين القاتل والمقتول، وفي أمرها أشياء كثيرة من العبث واللامعقول، وبقهقهة الأقدار القاسية على السوريين؛ ما يفضي إلى جملة من التعبيرات التي سَخِروا منها في يافطات رفعوها في كفر نبل وبنش وتفتناز واللطامنة، إلى كل بقعة نالهم منها نصيب الفاجعة باسم البوصلة.

مقالات ذات صلة

إغلاق