ترجمات

الغارديان: في روسيا- بوتين… وسائل الإعلام الجوفاء تعكس صورة الدولة

لقد أمضت الحكومة الروسية سنوات؛ لتعزيز سيطرتها على وسائل الإعلام. والآن تنظر إلى الصحافيين موظفين حكوميين أولًا وصحفيين ثانيًا؛ إن نظرت إليهم أساسًا.

“الدولة الروسية توظف القوة الصلبة والناعمة؛ لتعزيز قبضتها على وسائل الإعلام في البلاد،” الصورة: دينيس سينياكوف / وكالة الصحافة الفرنسية / صور جيتي

فهم فلاديمير بوتين فهمًا تامًا قوة وسائل الإعلام التي ساعدت في إيصال سلفه الشهير الذي لا يحظى بشعبية، بوريس يلتسين، إلى السلطة عام 1996، لذا؛ كان أولّ شيءٍ فعَله بعد توليّ الرئاسة عام 2000، إجبار جميع القنوات التلفزيونية الرئيسة -ما تزال أقوى وسيلة في البلد- على أن تخضع لإرادته، وقد كان على القلة المالكة إما التعاون أو السجن أو النفي، وبحلول عام 2006، كانت معظم وسائل الإعلام الروسية الرئيسة تحت سيطرة إدارة بوتين، إما سيطرة مباشرة، أو غير مباشرة.

وتُعدّ اليوم القنوات التلفزيونية الروسية الرئيسة الثلاث، إما مملوكة مباشرةً للدولة، وتعمل بوصفها مؤسساتٍ حكومية (القناة الأولى وVGTRK، أو شركة البث التلفزيوني والإذاعي الحكومية في جميع أنحاء روسيا)، أو مملوكة من إحدى الشركات التابعة لإحدى أكبر شركات النفط والغاز في روسيا: غاز بروم (NTV). وفي وقت لاحق تعرضت أكبر وسائل الإعلام على الإنترنت المستقلة مثل Lenta.ru لعمليات استيلاء عدائية من فرق تحريرٍ موالية، مختارة من الكرملين.

من أعضاء إدارة بوتين اليوم نائب رئيس أركانه، أليكسي غروموف، يتحكم بالتغطية السياسية، ويقرّر ما السياسات الخارجية والمحلية التي تجب تغطيتها، وكيف، والأهم من ذلك ما لا ينبغي تغطيته. وعلى سبيل المثال، فإن متابعة أخبار أسرة بوتين غير مسموحٍ تمامًا، ما لم تصدر تعليمات بخلاف ذلك، وهذا غالبًا ما يؤدي إلى لحظاتٍ محرجة، مثلما حدث عندما فجَّرَ بوتين قنبلة وأعلن طلاقه عبر التلفزيون الوطني، وفي الوقت نفسه، حشر تكتيكيًا من طاقم تلفزيون بعد أن ذهب إلى حفلة أوبرا مع زوجته الجديدة ليودميلا.

يحضر رؤساء تحرير جميع وسائل الإعلام الرئيسة في روسيا “اجتماعاتٍ استراتيجية” منتظمة مع موظفي بوتين. إنها مثل نادي القتال: لا أحد يعترف بوجودها -ولكن من السهل نسبيًا الاستدلال، نظرًا إلى مدى تنسيق التغطية على أكثر البرامج التلفزيونية مشاهدةً في جميع القنوات الإخبارية الرئيسة الثلاث.

يولي بوتين وموظفوه المخلصون اهتمامًا كبيرًا للصحافة الأجنبية؛ إذ تؤيد إدارته جميع الصحف والمجلات الروسية الكبرى، بما في ذلك الصحف المستقلة القليلة المتبقية (“المستقلة” هنا تسميةٌ مغلوطة؛ فهي -بالطبع- تعتمد على مكرمة أو إحسان الدولة التي يمكن أنْ تتغير في أيّ لحظةٍ) وعلى أكثر الصحف الأجنبية أهمية، وكلاهما مصلحة عامة، مثل الإيكونيميست، والمتخصصة، مثل أسبوعية جين للدفاع. وتُلخص هذه التقارير من الموظفين، وتُقدَّم إلى رؤسائهم نشراتٍ يومية.

وكانت هذه المجلدات من الصحف الأجنبية، وقصاصات المجلة -مع عناوين باللون الأحمر للتغطية السلبية عن روسيا، والأصفر للمحايدة، والأخضر للإيجابية- مصدرًا رئيسًا لقلق مكتب بوتين في أواسط الألفين. بحر من الأحمر أو الأصفر، ومديرو صحافة بوتين قلقون بشأن موقف روسيا الدولي.

هناك فجوةٌ في التواصل بين كبار المسؤولين في روسيا والصحافة الدولية، فهم يخافون، وبحق، والعلاج الوحيد الذي يمكن أن يفكروا فيه هو توظيف مهنيين أجانب في العلاقات العامة للمساعدة في إصلاحها.

لم تعمل الاستراتيجية تمامًا كما هو مخططٌ لها، وذلك؛ بسبب عدم وجود فهمٍ أساسيّ لكيفية عمل الصحافة خارج روسيا. كتب أنجوس روكسبيرغ، وهو مراسلٌ سابق في هيئة الإذاعة البريطانية، وعمل -في وقتٍ لاحق- لدى كيتشوم (شركة علاقات عامة مقرها نيويورك) مستشارًا للعلاقات العامة في الحكومة الروسية، في كتابه الرجل القوي: فلاديمير بوتين والنضال من أجل روسيا، بأنَّ أرباب عمله يعتقدون أنها ليست سوى مسألة دفع رشًى؛ للحصول على التغطية التي أرادوها.

عشرات الملايين من الدولارات، وخيبة أمل متبادلة كبيرة في وقتٍ لاحق، لذلك؛ رفض الكرملين أن يجدّد عقد كيتشوم أواخر عام 2014. اليوم، لا يزال بوتين، ومديرو صحافته، يعتقدون أنَّ وسائل الإعلام في العالم تعمل بالطريقة نفسها، مثلما تعمل في روسيا؛ خاضعةٌ لأصحاب الشركات المحكومين بدورهم من الحكومات، ولذلك؛ يطالب كبار المسؤولين في روسيا بأن تتوقف “وسائل الإعلام الغربية” التي يبدو أنها تكتلُ محررين محكومةً مركزيًا- عن “حملتها الرهابية من روسيا.”

في رأيهم، المراسلون العاملون في وسائل الإعلام الحكومية التي هي في الواقع جميع وسائل الإعلام في روسيا تقريبًا، هم موظفو خدمة عامة أولًا، وصحافيين ثانيًا (بأي حالٍ من الأحوال).

في أيلول / سبتمبر 2013، وفي ذروة حملةٍ انتخابية عريضة في بلدية موسكو، حاولت وكالة أنباء للدولة هي ريا نوفوستي التي انضمت لاحقًا إلى روسيا سيغودنيا، تقديم بعض التقارير القديمة المتوازنة عن جميع المرشحين، والمشكلة هي أنَّ أحد المرشحين (ويفضله جميع سكان موسكو الليبراليين، جاء في المرتبة الثانية، أُجبر عمليًا على جولةٍ حاسمة ضد رئيس البلدية الحالي الذي عيّنه بوتين) كان ناشطًا معارضًا، وهو أليكسي نافالني، الموضوع على القائمة السوداء من وسائل الإعلام الحكومية.

وحينما تقتبس وكالة ريا نوفوستي تصريحات نافالني في تقاريرها الإخبارية حول الحملة، كما يفعل أيّ منفذٍ إخباري عادي عند تغطية حملةٍ سياسية؛ فإن نائب رئيس أركان بوتين أليكسي غروموف، سيستدعي رئيس تحرير الوكالة سفيتلانا ميرونيوك ويُعنفها، إذ يقول غروموف: إنَّ وكالة أنباءٍ حكومية يجب ألا تعمل ضد مصالح الدولة من خلال دعم المعارضة.

واليوم، تُوظف الدولة الروسية قوةً صلبة، وأخرى ناعمة؛ لتعزيز قبضتها على وسائل الإعلام في البلاد، فتُصدر قوانينٍ تقييدية جديدة مثبطة للهمة بانتظام؛ فأُجبر أصحاب امتيازات وسائل الإعلام الأجنبية على التخلي عن حصصهم في العلامات التجارية العالمية مثل فوربس(شركة وسائل إعلام أميركية، أهم منشوراتها مجلة فوربس الشهرية التي تهتم بإحصاء ثروات رجال الأعمال ومراقبة المؤسسات في العالم) أو إسكوير(مجلة رجال الأعمال) المعتمدة في روسيا، وتُفرض غراماتٌ وعقوبات أخرى لعدم تغطية موضوعات مثيرة للجدل، مثل الإرهاب، وتعاطي المخدرات، من حيث أنها “لا تثني صراحة عن السلوك”، وتُهدَّد المنافذ المستقلة بالرقابة الذاتية، وتُخنَق الأشياء التي تحتاجها للبقاء على قيد الحياة، مثل خدمات “الكابل”، أو الوصول إلى المطابع، إذا لم تمتثل للأوامر.

ليس كلُّ شيءٍ قاتمًا عمومًا، بطبيعة الحال، فخارج موسكو، هناك مواقعٌ إخبارية شجاعة تغطي الشؤون المحلية بعمق، وتؤدي إلى غضب حكام المقاطعات، ومنافذ جديدة متخصصة جدًا تغطي موضوعات مثل الأعمال الخيرية أو المحاكم والسجون في العمق؛ إذ لا تستطيع وسائل الإعلام العامة أن تغطيها.

لا تتعرض وسائل الإعلام في روسيا إلى ضغط الدولة فحسب، ولكن إلى قيود أيّ صناعة تواجه التحديات نفسها في جميع أنحاء العالم: السباق المتسارع باستمرار لمزيد من مرات مشاهدة الصفحة، وتضاؤل ​​الميزانيات وإيرادات الإعلانات، وهذا بدوره يسمح بمزيد من احتمالات التلاعب بالتغطية من خلال وسائل أكثر تقليدية، مثل تحيز السماح بالدخول.

يعقد بوتين كلَّ عامٍ في كانون الأول/ ديسمبر مؤتمرًا صحافيًا سنويًا مع الصحافة المحلية والدولية، إذ يجري نشر هذه الإعلانات على نطاقٍ واسع، وهي شؤون مصممة بدقةٍ، يحضره مئات الصحافيين، من منافذَ إعلامية إقليمية صغيرة؛ وصولًا إلى تكتلاتٍ إعلامية دولية. بغض النظر عن خط تحريري خاص حول بوتين، فأنت مضطرٌ لتغطية هذه المؤتمرات الإخبارية من أجل عدم فقدان الوصول إلى شبكة الإنترنت -على الرغم من أن هناك القليل من “الأخبار” الثمينة التي تستحق تغطيتها. جعبة بوتين مليئة بالحيل البلاغية للتهرب من الاستفسارات المحرجة وتحريفها، وذلك بالسماح لوسائل الإعلام الموالية بطرح الأسئلة التي يمكن التعامل معها بسهولةٍ ليظهر حاكمًا حكيمًا، ومتكلمًا فصيحًا.

لقد بات مكتب بوتين خبيرًا في التلاعب بجدول الأعمال، وهناك كثير من المعلومات التافهة التي تقدَّم إلى الصحافيين من خلال “مصادر مطلعة وعلى دراية بهذه المسألة” -وحتى المنافذ الإعلامية الرئيسة في نهاية المطاف تُعزز خط الكرملين من خلال الإبلاغ عما هو -في الأساس- ليس خبرًا.

هناك بالطبع كثير من الدروس التي يمكن تعلمها، وكثير من أوجه التشابه في تصوير العلاقة الحالية المشحونة بين دونالد ترامب ووسائل الإعلام الأميركية، ولكن من المهم أن نضع في حسباننا أنَّ بوتين قد جمع قوة أكبر بكثير من ترامب، يمكن أن يأمل باستخدامها في أثناء وجوده في السلطة، ومع ذلك، هناك شيء واحدٌ واضح: سواء في الولايات المتحدة أو في روسيا، وغالبًا ما تُشغَل وسائل الإعلام بشدةٍ حول سلوكٍ سخيف، وتصريحاتٍ عامة غير منطقية، في حين يجري تجاهل ما يريد أهل السلطة أنْ يجري تجاهله.

 

 

اسم المقالة الأصلي In Putin’s Russia, the hollowed-out media mirrors the state
الكاتب أليكسي كوفاليف، Alexey Kovalev
مكان وتاريخ النشر الغارديان، The guardian،24/3
رابط المقالة https://www.theguardian.com/commentisfree/2017/mar/24/putin-russia-media-state-government-control
ترجمة أحمد عيشة

مقالات ذات صلة

إغلاق