قضايا المجتمع

تطبيق “القانون” في الساحل السوري واستثمار ضحايا النظام

استنفد مهند. ق، الطرق القانونية لتجديد الوكالة العامة التي وكله بها أخوه قبل سفره منذ عدة أعوام، وصار لزامًا على الوكيل تجديدها سنويًا بموجب قرارات وزارة العدل. ينتهي المطاف بمهند إلى القول “في هذا البلد تدفع النقود لتسيير أمورك مهما كانت. لا يهم أكانت قانونية أم لا”.

يزدحم القصر العدلي في طرطوس بعشرات المراجعين يوميًا مثل مهند لأجل الوكالات العامة والخاصة. سفر الشباب خارج القطر أو سوقهم لجبهات القتال جعل من توكيل أحد الأقرباء أو الأصدقاء لمتابعة الأمور القانونية ظاهرة منتشرة بكثرة فلا أحد يدري ماذا تخبئ له الأيام، ليكتشف كثير من الموكِّلين بيع أملاكهم أو نقل ملكيتها إلى الوكيل، وتبدأ الدعاوى بين الطرفين في أروقة المحاكم، وغالبًا ما يأتي الحكم فيها على حساب المظلوم، “فالقانون لا يحمي المغفلين” كما يقول أحد الموظفين في القصر العدلي في طرطوس، كاشفًا عن أن عشرات القضايا من هذا النوع تنتهي بخصومات عائلية تصل إلى حد التضارب بين الأخوة أو الأصدقاء داخل المحكمة وإلى حالات من الاعتداء والقتل خارج المحكمة.

يجري بيع وشراء البيوت المهجورة في الساحل ممن سافر أصحابها بسهولة، فكل ما يحتاجه الأمر الحصول على “إخراج قيد مدني”-بديلًا من الهوية الشخصية-  لصاحب البيت المهجور، وبشهادة مختار وشاهدين يتم إثبات أن من يطلب إخراج القيد هو صاحب البيت المهجور، ومن ثم يبرَم عقد للبيع مع المشتري. قد تواجه عملية الاحتيال هذه بعض الصعوبات في دائرة النفوس أو في المديرية العامة للمصالح العقارية لكن تُحل بدفع المال.

يحدث أحيانًا عودة أحد أقرباء أوصاحب بيت مهجور ليجد من يسكن بيته وبحوزته أوراق قانونية تثبت ملكيته للعقار، لتبدأ رحلة التنازع على الملكية في أروقة المحاكم وتفتح أبواب الارتزاق مصاريعها من جديد لمعقبي المعاملات والمحامين وأصحاب النصيب.

كيف تصبح الضحية “شهيدًا”

يعتمد محامون بشكل لافت على قضايا ملاحقة التعويضات المادية لضحايا التفجيرات، بتواطؤ مع ضباط يدرجون أسماء الضحايا بوصفهم “شهداء” في قوائم قتلى جيش النظام دون علم ذوي الضحية، ويجري تقاسم مبالغ التعويضات بين الضباط والمحامين وجزء يسير منها يعطى لذوي الضحية.

فوجئ جعفر باسم أخيه -صاحب كشك القهوة – “شهيدًا” بعد تفجيرات جبلة الأخيرة وقال: لولا أن أختي موظفة في القصر العدلي ومتابعة لقضية ضحايا التفجيرات، لما علمنا أن أخي شهيد!” ويشير جعفر إلى أن تطوع عدد من المحامين لمتابعة تعويضات الضحايا لم يكن ليثير الشكوك بسبب التعاطف الذي يلقونه في محيطهم، قبل أن يتضح أن مبادرة المحامين كانت فخًا جرى إيقاعهم فيه. يُذكِّر جعفر بحادثة السطو على تعويضات “شهداء الجيش” التي حدثت في “مكتبي الشهداء” في محافظتي اللاذقية وطرطوس قبل أعوام قليلة، حين كان هلال الأسد لا يزال يمارس سلطاتة العرفية في الساحل قبل مقتله في معارك كسب ربيع عام 2014، وشريكه اللواء راقي عمار-رئيس مكتب شؤون الشهداء -يقاولان في الأموال المخصصة لإنشاء منازل لقتلى النظام في منطقة(دمسرخو) باللاذقية، بلغت حينئذ المبالغ المسروقة مليارات الليرات السورية، وجرى طي القضية دون نتائج.

القضايا التي لاتجد من يسندها من مفسدي النظام، يجري إظهارها ملفًا من ملفات مكافحة الفساد وينسب لبشار الأسد شخصيًا الفضل في إنجازها، في محاولة لتلميع ما يمكن من صورته في أعين مواليه، كما في قضية المحامين الذين جرى الكشف عن تورطهم قبل عام، في الاحتيال على شركات التأمين وجعلها تدفع مبالغ طائلة لقاء تعويض أشخاص عن حوادث سير وهمية. على الرغم من افتضاح الأمر وقتها، لكن نقابة المحامين لم تتخذ اجراءاتها اللازمة بحق المحامين المتورطين واكتفت بتنبيهات سلوكية دون إيقافهم عن العمل. يعترف أحد المحامين، فضَل عدم ذكر اسمه، أن المحامي فقد ثقة الموكَل بسبب تصرفات بعض المحامين، وأبدى استغرابه من تصرف النقابة تجاه أصحاب بعض النفوس الضعيفة من زملاء المهنة وقال: “يجب فصل أي محامي يسيء لشرف مهنته، وإلا فإن التساهل معهم سيشجع غيرهم على سلوك الطريق نفسه”.

على الرغم من توقف كثير من المحامين عن العمل خلال سنوات الحرب، واعتماد غالبية الناس على معقبي المعاملات لتدني أجورهم بالنسبة لاتعاب المحامين، إلا أن ذلك لا يسوغ سلوك المحامين الشائن على حد قول صديقنا المحامي.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق