أدب وفنون

منصّات

جاءني جاري أبو سليم يسألني:

– أستاذ مسعود! شو يعني منصّات؟

لم يتبادر إلى ذهني ما المقصود من سؤال جاري أبي سليم. لذلك وجدتها فرصة كي أستعرض معلوماتي في اللغة، فقلت له:

– منصّات جمع منصّة. والمنصّة من فعل نصّ ينصّ نصًّا. وقال صاحب القاموس: “نصّ الحديث إليه رفعه. ونصّ العروس: أقعدها على المنصة. والمنصة بكسر الميم ما ترفع عليه العروس. ونصّها فانتصت”. والمنصة –أيضًا- هي المكان المرتفع الذي يعلوه الخطيب ليلقي خطبته على الجماهير من مكان مرتفع. والعامة تقول نُصّ وهي تعني النصف. ونُصّ نصيص: الرجل الضئيل الجسم. ونُص مصيص: دويبة تمصّ دم الدجاج. وجاء في الحكاية: “نصّ مصيص بالخم، بقطّش روس وبيلمّ”.

استوقفني جاري أبو سليم:

– وين رحت يا أستاذ مسعود؟ ضيّعتني. أنا أسألك عن المنصّات تبع جنيف.

وكأنما أعادني أبو سليم إلى رشدي، بعد أن أسهبت في شرح أمور لا علاقة لها من باب ولا من نافذة بسؤاله. ولأنني محسوب على المعارضة، ولا يجوز أن أجعل أبا سليم الموالي يشمت بالمعارضة التي ذهبت إلى جنيف عشرين معارضة. وأخذت أتدبّر مخرجًا للمعارضة السورية من هذا التشتت الذي ظهرت فيه أمام العالم. فقلت:

– تقصد منصّة موسكو، ومنصّة القاهرة، ومنصّة حميميم، ومنصة كوباني؟ قال:

– إي نعم. ولأيش كثر هالمنصات دخيلك أستاذ؟! يعني ما كان بيسع المعارضة منصة واحدة؟ والمثل يقول: مكان الضيق يسع ألف صديق؟ قلت:

– ها أنت يا أبا سليم أجبت على سؤالك بنفسك. قال:

– كيف أستاذ؟ ما فهمت. قلت:

– أيّ منصة ستتسع للمعارضة السورية يا أبا سليم؟! المعارضة تمثل كل الشعب السوري، ومن الطبيعي ألا تتسع أية منصة لكل المعارضة. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فالمثل يقول: “الكثرة غلبت الشجاعة” فعندما يرى بشار الجعفري أنه أمام أربع منصات تضيق عينه، وتقع الرهبة في نفسه، فيخاف ويخضع لشروط المعارضة. تصوّر أن رجلًا عليه أن يقابل أربعة رجال معًا، مهما بلغ من القوّة والشجاعة سيضعف أمام الرجال الأربعة الذين تهيّؤوا للقائه. من هنا كان تعدد منصات المعارضة في جنيف له أبعاد تكتيكية. والمثل يقول بارك الله بالبيت الذي يخرج منه بيت. أجابني أبو سليم:

– ما تواخذني أستاذ مسعود، والله تفسيرك ما خرط مشطي. يعني صار مع المعارضة بلا مؤاخذة مثل الرجال اللي راح يفصل طربوش عند الطرابيشي. قلت:

– كيف يعني؟ أنا –أيضًا- لم أفهم عليك. قال:

– رجل أخذ قطعة جوخ حتى يفصّلها طربوش. أخذ الطرابيشي القياس. فقال له الرجل: – ممكن تصير طربوشين؟ فقال الطرابيشي:

– ممكن.

فقال الرجل في نفسه: ما دام يستطيع أن يصنع منها طربوشين فلعله يستطيع أن يصنع منها ثلاثة طرابيش. وبقي يراجع الطرابيشي حتى اتفق معه على أن يصنع له من قطعة الجوخ عشرة طرابيش.

وفي اليوم الموعود جاء لاستلام الطرابيش؛ وإذ به يجد أمامه عشرة طرابيش كل طربوش بحجم كشتبان الخياط. فاستغرب الرجل وسأل الطرابيشي:

– وماذا عسى أن أفعل بهذه الطرابيش؟ فقال له الطرابيشي:

– يمكن استخدامها في ألعاب مسرح العرائس.

لأول مرّة أجد نفسي ضعيفًا أمام جاري أبي سليم

مقالات ذات صلة

إغلاق