أدب وفنون

وحدة الجنس البشري وتعدد الشعوب

“ما يجمع الناس أكثر أهمية مما يفرقهم”، وإن كانت “الحياة خسرت معركتها ضد الموت، فإن الذاكرة تفوز دائمًا على العدم”. كتب المفكر البلغاري الفرنسي تزفيتان تودوروف، الذي غادرنا في السابع من الشهر الجاري شباط/ فبراير، عن سبعة وسبعين عامًا، بعد أن أضاف إلى المكتبة العالمية واحدًا وعشرين مؤلفًا، تُرجمت إلى ما يقارب الخمس وعشرين لغة، وفي عام 2008 حصل على جائزة أستورياس للعلوم الاجتماعية.

وُلِد تودوروف عام 1939 في العاصمة صوفيا، أي مع بداية الحرب العالمية الثانية، وقبل استلام الحزب الشيوعي مقاليد الحكم في بلده بسبع سنوات. نشأ في أسرة اشتُهرت باهتماماتها الثقافية، وكان والده إيفان ورّاقًا، فعاش طفولته بين الكتب، وأدرك أن الكلام عنها سوف يكون مهنته، وجاء في كتابه “الأدب في خطر”.

حصل تودوروف على إجازة الآداب في جامعة صوفيا، وعلى بعثة للاختصاص في فرنسا عام 1963، لكنه لم يرجع إلى بلده، بل طلب اللجوء السياسي، واستقر في باريس، ونال دكتوراه الدولة في الآداب على أطروحته “نظرية التحليل الأدبي” تحت إشراف رولان بارت. وهو يفسر سبب بقائه في أحد حواراته قائلًا: “سنحت لي فرصة قضاء عام (وراء الجدار الحديدي في بلغاريا)، وكان من الصعب جدًا عبور الجدار، ومن بين المدن الكبرى التي كنت أحلم بها، لم أتردد في اختيار عاصمة الفن والأدب باريس، وهو ما كان يلائم طموحاتي. أظن أن سكان مدينتي الأصل، لم يكونوا على علم بما كان يجري في العالم آنذاك، ولست نادمًا على خياري الذي أصبحت بموجبه فرنسيًا”.

انتقال تودوروف بين عوالم متناقضة منذ طفولته، وسّع من دوائر رؤاه واهتماماته، وألقى بظلاله على مجمل سيرته الفكرية اللاحقة، التي تركت علامات مضيئة في علوم اللغة والاجتماع والإنثربولوجيا على المستوى العالمي، بدءًا من دراساته المعمّقة حول الشكلانيين الروس، وخصائص البنى السردية، مرورًا بمقولاته الهامة عن الاستعمار والاستبداد منذ اكتشاف أمريكا وإنشاء المستعمرات الأوروبية، وحتى معسكرات الاعتقال النازية والستالينية، وصولا إلى بحوثه حول الهويات الثقافية والاستشراق ومفهوم الآخر بالمنظور الغربي.

واحدة من بين أهم محطات سيرته الفكرية، كانت مبادرته لتصويب نظرية هانتغتون حول “صراع الحضارات”، والخوف من الآخر الأجنبي، بوصفه مصدر تهديد لمبادئ وقيم الحضارة الغربية، إذ إن تودوروف يعتقد بـ “وحدة الجنس البشري وتعدد الشعوب”، ويرى “أن جوهر الحضارة يكمن في الاعتراف بالإنسانية الكاملة، وبالتعدد الثقافي للآخرين”، وأننا “كي نتآلف ونتكيف مع تعقيدات العالم، ونتجاوز الصعوبات، يجب أن نتخطى مقولة صدام الحضارات إلى التفكير في أنموذج يضمن تنوع الخصائص الثقافية، ويسهم في بناء نزعة عالمية كفيلة باستيعاب الاختلافات، ودعم تقدم الحضارة ورقيها”.

ويُعدّ تودوروف أن الخوف من الإسلام، ومن المهاجرين المسلمين، لا يتعدى كونه شعورًا مرضيًّا، يفضي إلى تراجع القيم الغربية، وقد أسفر هذا الخوف عن ارتكاب الكثير من الممارسات البربرية في سجني “أبو غريب” و”غوانتانامو”، وعن استهداف بلاد المسلمين في حروب عبثية، لا مسوغ لها، ولا طائل منها، لأن “الغرب لن ينجح في محاربة الإرهاب إلاّ بفصله عن الدين الإسلامي، والسعي إلى معرفة جذوره المذّلة والمهينة التي تمس شريحة كبيرة من سكان العالم”.

تُرجم معظم نتاج تزفيتان تودوروف الفكري إلى اللغة العربية، فمن مؤلفاته في حقل النقد الأدبي نجد ما لا يقل عن خمسة عناوين على رفوف المكتبات، هي: “مفاهيم سردية”، “ميخائيل باختين/ المبدأ التحاوري”، “مدخل إلى الأدب العجائبي”، “نظريات في الرمز” و”الأدب في خطر”. ومن دراساته في العلوم الاجتماعية والسياسية نعثر على عشرة إصدارات: “نحن والآخرون”، “فتح أمريكا”، “ذاكرة الشر/ غواية الخير”، “الخوف من البرابرة”، “الأمل والذاكرة”، “روح الأنوار”، “أعداء الديمقراطية الحميميون”، “الحياة في معسكرات الاعتقال”، “اللانظام العالمي الجديد” و”الحياة المشتركة”.

ولم يقتصر الحوار الثقافي بينه وبين العالم العربي، على ترجمة نصوصه فحسب، بل تعداه إلى مواقف وعلاقات شخصية؛ فقد ناصر تودوروف القضية الفلسطينية، وارتبط بصداقة مع إدوارد سعيد، وأسهم في نقل مؤلفاته إلى الفرنسية، وكان حاضرًا في آخر أمسية شعرية أقامها محمود درويش في آرل، جنوبي فرنسا، مؤسسًا بذلك لحوار طويل ومديد؛ انطلاقًا من منظوره في: “ألا يجعل أحد المحاوريّن الآخر موضوعًا له، فالحوار يحتاج إلى ذاتيّن”.

مقالات ذات صلة

إغلاق