أبحاث ودراسات

عن المثقف وثورات الربيع العربي

سنعرض للمقال في صيغة أسئلة افتراضية حول موضوع المثقف، ودور المثقف في ثورات الربيع العربي.

(1) من المثقّف؟

المثقف مفهوم إشكالي، أقترح صيغتين لتعريف المُثقف، الصيغة الأولى: من يمتلك فكر نقدي، ويهتم بالشأن العام، منحازًا إلى قضايا الحرية والعدالة. أما الصيغة الثانية: مَن يهتم بالشأن العام ويُمارس فاعليات ثقافية تواصلية “إعلامي – مدون – كاتب صحفي – محلل سياسي – شاعر – روائي – سينمائي – أستاذ جامعي… إلخ” والمثقّف بالمفهوم الثاني يحقق شرط الحد الأدنى من المعرفة بالحدث والسياقات الفكرية والسياسية لما يجري حوله، ولا يشترط أن يكون ذا فكر نقديّ منحاز إلى قضايا الحرية والعدالة. وأجدني ميّالًا إلى تبنّي الصيغة الثانية للتعريف؛ لما يلي: 1- سهولة ضبط مجموعة المثقّفين في أي مجتمع. 2- تحيّيد –موقّتًا- أسئلة من قبيل المثقف الحقيقي والمثقف الكاذب.. وجدال صعب الحسم. 3- المؤثرون في تكوين الرأي العام هم المثقفون بالصيغة الثانية الموسّعة، وليس بالصيغة الأولى فحسب.

(2) ما دور المثقف في الذي يحدث؟

ما حدث في العالم العربي ثورات شعبية، مع تفاصيل وتعابير مختلفة ما بين دولة وأخرى. هي ثورة بمعنى تغيير حاد وكبير يستهدف النظام السياسي الذي حدثتْ فيه الثورات، تغيير شاركت فيه قطاعات وشرائح واسعة من المجتمع. وبناء على ذلك؛ سوف يلعب المثقف العربي دورًا في هذه الثورات، هو دور يتعلّق التحريض والتبشير بانتصار الثورة أو العكس، دور يتعلّق بالدفاع عن الثورة والتسويق لها أو العكس، دور يتعلّق بالقدوة الحسنة وإدارة الثورة أو العكس، دور يتعلّق بنقد السلبيات بغية تجاوزها أو تضخيمها بغية نزع الصفة الثوريّة الإيجابية عنها… إلخ. ينبغي الإقرار بكون شرارة انطلاق هذه الثورات كانت خارج إطار فئة المثقّفين والمجتمع السياسي التقليدي المعارض، هي حركات احتجاج شعبية ضد الاستبداد والتهميش، حركات وجدت صدى واسعًا لها في قطاعات عريضة من المجتمعات العربية، بمن فيهم المثقّفين. شرارة انطلاق الثورة التونسية كانت إحراق محمد البوعزيزي لنفسه احتجاجًا على المعاملة المهينة من شرطة بلدية سيدي بوزيد في ديسمبر 2010. بينما كانت شرارة انطلاق الثورة السورية اعتقال أطفال من مدينة درعا لكتابتهم شعارات مناهضة تطالب بالحرية وإسقاط النظام في شباط/ فبراير 2011، ومن ثمّ تعرّضهم التعذيب، وإهانة ذويهم من قبل عاطف نجيب فرع الأمن السياسي في درعا وقريب الرئيس الأسد. وللمقارنة فقبل ما يقارب عقد من الزمن في 2000-2001 دعا مثقّفون سوريون إلى إصلاحات سياسية فيما عرف آنذاك بربيع دمشق، حيث قُضي على هذا الحراك الإصلاحي باستخدام القمع الأمني، لقد كان حراك “ربيع دمشق” أساسًا حراكًا نخبويًّا لمثقّفين بالمقارنة مع الثورة السورية آذار/ مارس 2011 ذات الصفة الشعبية العريضة. بتحليل الحالتين؛ يتبيّن لنا أنّ المثقف السوري لم يستطع النفاذ إلى الشرائح العريضة المُستهدفة بالإصلاح في حالة ربيع دمشق، وذلك؛ لأسباب موضوعية وذاتية لا مجال للتفصيل بها الآن، وكذلك فإنّ الثورة السورية قدحت شرارتها وانتشرت عمومًا من خارج الوسط الثقافي السياسي التقليدي. ولم تلق دعوات المثقفين السوريين في كلا الحالتين أيّ استجابة لدى السلطات السورية، وهذا ما قد يطرح أسئلة جدّية حول فاعلية المثقّف وماهيّة الثقافة التي ينتجها، ومدى اقترابها أو ابتعادها من حساسية المجتمع الذي ينتمي إليه.

(3) هل استطاع المثقّف أن يراكم خبراته ومقولاته، بحيث أن ما يحدث هو نتيجة طبيعية لفعله وحراكه؟

لا أستطيع التجرؤ بالقول أنّ ثورات الربيع العربي هي نتاج طبيعي تراكمي للفاعلية السياسي المثقّف أو المثقّف.. صحيح أنه لا شيء ينشأ من العدم، وأنّ ثورات الربيع العربي وليدة سياق تاريخي بتوسّط عوامل متعدّدة جديدة من أهمّها وسائل التواصل الاجتماعي شعبية الانتشار. النموذج التقليدي لفلسفة الثورة “وهو أنموذج ماركسي أساسًا” يرى أن للثورة مبشّرين ومنظّرين ومفكّرين ومخطّطين ومناضلين يشكّلون نخبة “الطليعة الثورية” كان خارج الخدمة في ثورات الربيع العربي، وهذا ما جعل كثيرًا من المثقفين الماركسيين والقوميين العرب يرفضون توصيف هذه الأحداث بالثورات. ففي سورية لم يكن حتى المتفائلين من المثقّفين يتوقّعون انتقال شرارة الاحتجاجات إليها. معظم المثقفين السوريين لم يكونوا يتوقعون اندلاع الثورة في سورية، في تحقيق صحافي، نشره موقع جدار بعد اندلاع الثورة التونسية في كانون الثاني/ يناير 2011 كان معظم آراء المشاركين من المثقفين السوريين، لا يتوقّع اندلاع الثورة في سورية، يرى حسين حسن أن السبب في عدم انتقال الثورة لسورية “بسيط؛ حيث أن السوري مجرد أن يخرج رأسه من النافذة سيقتل بالرصاص”، وترى الصحافية سعاد جروس أن السوريين بطبعهم جبناء! “جاء في كتاب طبائع البلدان: قيل للشام الطاعة والطاعون”… إلخ ثمّة غموض يسم اندلاع الثورات، وضعف قدرة التنبؤ في مسار التاريخ، القطاع العريض الشباب العربي الثائر في بدايات موجة ثورات الربيع العربي كان يطالب بالحياة والعدالة والحرية والكرامة الإنسانية، وهي قواسم مشتركة إنسانية، هي غرائز حيوية يطلبها كل إنسان ما لم يعقه عن ذلك عائق أو اضطرار، هذه المطالب/ الحقوق هي الأصل في الحياة، وليست بحاجة للفيلسوف أو المثقّف ليتعرّف عليها الإنسان. هناك مثقفين عرب اشتغلوا على تذكير الناس ببداهات الحياة والعدل والحرية والكرامة الإنسانية وكان لثورة المعلومات والفضائيات والفيسبوك وغيرها دور مهم وأساسي في توصيل رؤاهم. بينما مثقفون عرب اشتغلوا لإعاقة سريان بداهات الحياة والعدل والحرية والكرامة الإنسانية، وبمسمّيات مختلفة منها: أننا متخلّفون لا نستحق الديمقراطية – أننا أصوليون وسلفيون وطائفيون – أن الحرية حرام وغضب من الله – إنها مؤامرة، والمتظاهرون شباب مُغرَّر بهم ومندسّون.

(4) هل المثقّف متأخر عن الشارع العربي أم مُتقدم عليه؟

هذا يتعلّق بموقع وطبيعة الدور الذي يلعبه المثقّف، من حيث كونه فاعلًا ومُنفعلًا بالشارع، فالمثقّف الحيوي قبل أن يكون قائلًا ومعلّقًا وكاتبًا هو موقف، وكبار المثقّفين عبر التاريخ هم الذين صنعوا وشاركوا في التاريخ. التقدّم على الشارع يعني التبشير بالحرية والالتزام بأولوية الحياة والعدل والحرية، يعنى عدم الانسياق وراء ما يطلبهُ الشارع دونما نقد وتمحيص، يعني ألا تكون شعبويَّا، يعني عدم استغلال عواطف الشارع وغريزة الخوف والتدين استغلالًا سلبيًا وتضليليًا.

(5) من الحقيقي من المثقفين؟ ومن مثقف الدولة الوطنية التي صنعتها الأحزاب أو طبّلت لها؟

في السؤال وُضع حدّان: الحدّ الأول هو “المثقف الحقيقي“. أما الحدّ الثاني؛ فقد كان مثقّف الدولة الوطنية التي صنعتها الأحزاب وطبّلت لها “المثقّف الزائف“. أتساءل -هنا- من والمثقّف الحقيقي ومن المثقّف الزائف؟ وما ي معايير الحقيقي ومعايير الزائف؟ لنقل أنّ المثقّف الحقيقي يعادل بالقدرة على التفكير العقلاني التحليلي المتوازن المُنحاز إلى أولويات الحياة والعدل والحرية. هذا “المثقّف الحقيقي” ليس نقيض مثقّف الدولة الوطنية، مع تحييد إشكاليّة صفة الوطنيّة هنا، ومدى تعلقها مع الدول العربية القائمة بوصفها دولة تسلّطية قامعة ومفرّقة للوطنيّة، “فالمثقّف الحقيقي” موجود بحضور مختلف ضمن شرائح المؤسسات الرسمية وخارجها، وهناك كثير من المحسوبين على المؤسسة الرسمية، في لحظة معيّنة ظهرت “حقيقتهم” ومعدنهم الطيّب، وهناك مثقّفون “زائفون” خارج إطار المؤسسة الرسمية موجودون في أحزاب وجهات محسوبة على المعارضات، أو مستقلة، وكذلك يعملون محرّرين في صحف عربية دولية ومهاجرة. المثقّف هو إنسان يعيش في مجتمع يتأثّر به، وهو محكوم بسقوف وقيود متعدّدة، مادية ومعنوية. الاستقلال المادي أمر مهم، فمن الصعوبة بمكان مجابهة سلطة تحاربك في رزقك، وتضيّق عليك سبل العيش، من الصعب مجابهة سلطة تهدّدك بالاعتقال والإخفاء القسري، لا بل والقتل إن لزم. أحد الأصدقاء” شاعر وناشط حقوقي” هدّدته السلطات الأمنية صراحة بخطف ابنه الوحيد البالغ من العمر 3 سنوات، لمشاركته في تنظيم تظاهرات بداية الثورة السورية في حمص مثلًا! المثقّف الحقيقي في النهاية مفهوم نسبي مقيّد بصلاحيات مجتمعيّة وزمكانية. في وضع أن يكون ثمن حريّة التعبير تعرُّض أحد أفراد أسرتك للأذى بسببكَ، المثقّف الحقيقي يختار الصمت أو التأجيل والمواربة، ما ذكرته من أمثال يجعلنا أقل اتهامية وأكثر تسامحًا تجاه بعضنا بعضًا، بما يُفسح المجال إلى تصنيف أقلّ حدّة في تصنيف المثقفين ومشاربهم.

مقالات ذات صلة

إغلاق